حكايات رولا

— بكره مش هحارب عشان أطلع نفسي صح. أنا مش قادر أوعد إنني الأب اللي هي محتاجاه دلوقتي.
افتكرت إن المكالمة دي هي أكبر مفاجأة في القضية… بس كنت غلطان.
عشان تاني يوم، وأول ما الجلسة بدأت، المحامية حطت وثيقة وورقة على الترابيزة مكنش حد فينا شافها قبل كده.
ورقة متوقعة ومتقطعة من شهور من “شيرين” نفسها!
ولما محامي هشام قرأ أول سطر فيها، بطل يكتب وشال القلم من إيده.
الجزء الثالث
الورقة دي كانت إقرار شيرين كتبته وسلمته للأخصائي الاجتماعي بالمدرسة من كام شهر، مكنتش أعرف بوجودها وهشام مكنش يعرف إن المحامية وصلت لها.
في الإقرار ده، شيرين اعترفت إنها اتخانقت مع هشام كذا مرة بسبب طريقته القاسية في التحكم في أكل سلمى. وقالت إنه بيعد بالمعلقة، وبيشيل الطبق من قدامها لو اعتبر إنها ما سمعتش الكلام، وبيستخدم الأكل كعقاب أو مكافأة.
بس الألعن من كده، شيرين كانت كاتبة:
”أنا عارفة إن ده ممكن يكون بياذيها نفسياً، بس هشام بيقول ده الصح عشان تنضبط وتتربى. أنا مش عاوزة أتدخل عشان خايفة علاقتنا تنتهي.”
لما سمعت الجملة دي، فهمت شيرين ليه كانت جاية بيتي وهي هتتجنن وجعانه أكل بالشكل ده. هي مكنتش بتبعد وتدافع عن هشام بس… دي كانت بتحاول تداري على نفسها كمان.
القاضية طلبت الهدوء.
هشام كان قاعد جنب محاميه وباصص للأرض ولإيديه. وشيرين مكنتش موجودة.
عرفنا بعدين إنها سابته ونهت الخطوبة قبل الجلسة بأربع أيام. الزيارة بتاعة الشرطة والتحقيقات عملت خناقة كبيرة بينهم. هشام اتهمها بالخيانة عشان اتكلمت مع المدرسة، وهي ردت إنها تعبت من الكذب على نفسها… ومشيت.
الجلسة كملت.
الأستاذة إيمان المدرسة اتكلمت الأول. حكت عن البسكويت المستخبي، واللانش بوكس الفاضي، والطريقة اللي سلمى كانت تبص بيها لأكل زمايلها في الفسحة.
— عمرها ما مدت إيدها على حاجة حد —المدرسة وضحت— لو حد عزف عليها بحاجة، كانت تسأله مرتين وتلاتة: “هو بجد ينفع أكلها؟”.
الجملة دي قطعت قلبي.
وبعدها الأخصائي النفسي اتكلم، وقال إن سلمى كانت بتقول جمل غريبة جداً على سنها:
“أنا ما استاهلش العشا النهاردة.”
“هو أنا مسموح لي أفطر؟”
“لو بقيت شاطرة، هيدوني أكل.”
جمل صغيرة بس مرعبة ومحددة.
وبعدين نادية عرضت صور البيت. دواليب المطبخ المقفولة بأقفال أرقام، الترباس اللي برة الأوضة، الأوضة الشبه فاضية.
محامي هشام حاول يبرر إن الأقفال دي عشان أمان البيت.
— كلها؟ —المحامية سألت— حتى الأقفال اللي على الثلاجة والمطبخ؟
— موكلي كان بيحاول ينظم مواعيد الأكل.
— وهل حبس طفلة جوه أوضتها بترباس براني ده من ضمن تنظيم المواعيد؟
المحامي أعترض، بس القاضية سمحت بالإجابة.
وجي دوري.
وقفت قدام القاضية وهيئة المحكمة، وكان لازم أتكلم عن أخويا كأنه أي حالة من الحالات اللي كانت بتجيلي المستشفى. وده كان أصعب وأمرّ إحساس.
عشان هشام مكنش وحش في ذكرياتي… ده كان أخي الصغير اللي بينام معايا في نفس الأوضة، كان الصبي اللي بيغطي عليا لما أتأخر برة البيت، كان الأخ اللي مسكني من دراعي في جنازة مراتي “منى” عشان مأقعش.
وكان في نفس الوقت هو الراجل اللي بنته بتخاف تفتح الثلاجة! الحقيقتين كانوا موجودين.
المحامية سألتني عن موقف الفطار. حكيت بالنص اللي حصل.
— تعبيرات سلمى كانت إيه لما قلت لها إنها تقدر تاكل؟
— ارتياح شديد.
— فرحة؟
— لأ… ارتياح. زي حد اكتشف إنه مش هيتعاقب المرة دي.
المحامية شغلت تسجيل صوتي صغير كنت سجلته في الصبحية دي بالموبايل بعد ما شفت خوفها. صوت سلمى وهي بتسأل:
“هو أنا مش معاقبة؟”
وصوتي: “معاقبة ليه يا سلمى؟”
“عشان مخلصتش العشا امبارح.”
القاعة كلها سكتت. مفيش زعيق، مفيش دراما… مجرد صوت طفلة بتسأل هو هي مسموح لها تاكل ولا لأ. وده كان يرعب أكثر من أي زعيق.
محامي هشام حاول يشكك في نيتي، وقال إننا كنا بعاد عن بعض، وإنني من ساعة ما مراتي اتوفت وأنا منعزل ومكبر المواضيع.





