طيارة

دق وافتكرته عرف بوجودنا، حتى إني بدأت أقوم نص قومة من الكرسي ومستنياه ينطق اسمي في المايك قدام الناس كلها.
بس هو كمل كلامه…
وأول ما سمعت الاسم اللي قاله، وركابه رايحة لمين، رجعت اتسحبت في الكرسي بالبطيء، وحسيت إن كل نقطة ډم في
عروقي نشفت واتجمدت مكانها.
الفصل الثاني
وأول ما سمعت الاسم اللي قاله، وركابه رايحة لمين، رجعت اتسحبت في الكرسي بالبطيء، وحسيت إن كل نقطة ډم في عروقي نشفت واتجمدت مكانها.
قال بصوت واضح في المايك
النهارده معانا على الرحلة دي الآنسة ليلى.
الاسم وقع على وداني كأنه صوت حاجة تقيلة اتحدفت قدامي.
ليلى.
أنا أعرف ليلى.
أو بالأصح
كنت أعرفها.
لحد من سنتين تقريبًا.
كانت آخر اسم كنت أتمنى أسمعه على لسان جوزي، وفي الوقت اللي المفروض أكون فيه بجهز نفسي عشان أفاجئه، اكتشفت إن المفاجأة الحقيقية كانت مستنياني أنا.
مروان كان لسه ماسك إيدي.
بصلي بحماس، وبعدين بص حوالين منه، كأنه مستني ست ليلى دي تقوم في أي لحظة.
همس
ماما هي مين ليلى؟
ما رديتش.
فضلت باصة قدامي.
رجع هز إيدي.
ماما؟
بلعت ريقي بالعافية وقلت
معرفش.
استغرب.
إزاي؟ بابا بيقول إنها مميزة جدًا.
حسيت بحاجة بتقطع في صدري.
أنا كنت مستنية أسمع اسمي.
كنت متخيلة طارق يقول قدام كل الركاب
النهارده معانا زوجتي وابني، ودي مفاجأة حلوة جدًا بالنسبالي.
كنت متخيلة مروان يطلع يجري عليه أول ما ننزل.
كنت متخيلة طارق يضحك ويحضننا.
كنت حتى متخيلة إني هتخانق معاه بهزار وأقوله
شوفت؟ عرفت أعمل لك مفاجأة.
لكن بدل كل ده
كان فيه ست تانية.
ست اسمها ليلى.
والأغرب إن طارق مش بس نطق اسمها.
ده قال إنها إنسانة مميزة جدًا.
صوت المايك رجع يشتغل.
وأنا سعيد جدًا إنها قررت تكون معانا النهارده.
قفلت الموبايل بسرعة.
مش عايزة أسجل.
مش عايزة ذكرى.
مش عايزة أفتكر اللحظة دي أصلًا.
بصيت لمروان.
كان لسه مبتسم، بس ابتسامته بدأت تختفي لما شاف وشي.
ماما انتي زعلانة؟
هززت راسي بسرعة.
لأ يا حبيبي.
طب ليه وشك كده؟
ابتسمت بالعافية.
مفيش حاجة.
رجع طارق يتكلم.
وأتمنى الرحلة تكون خفيفة ولطيفة على الجميع.
وبعدها قفل المايك.
عمّت الكابينة حالة هدوء عادية.
الركاب بيتحركوا في كراسيهم.
مضيفة بتراجع الأحزمة.
طفل قدامنا بيعيط.
راجل جنب الشباك كان بيصور منظر الطيارة.
كل حاجة طبيعية جدًا.
إلا أنا.
أنا كنت حاسة إن العالم كله وقف.
حطيت إيدي على بطني، وحاولت آخد نفس طويل.
لكن كل ما أغمض عيني
أفتكر ليلى.
ليلى كانت واحدة من أقرب الناس لطارق في شغله.
مش زميلة عادية.
دي كانت شغالة في نفس الشركة من سنين.
قبل ما أتجوز طارق، كنت سمعت اسمها كتير.
وفي أول فترة جوازنا، كان اسمها بيظهر في الكلام بشكل طبيعي.
ليلى كانت في الرحلة اللي فاتت.
ليلى قالت إن الجو هيبقى وحش.
ليلى هتبدل معايا يوم الخميس.
وأنا عمري ما شكيت.
لحد يوم ما شفت رسالة منها على موبايله.
كانت رسالة بسيطة جدًا.
لكن طريقتها كانت مش بسيطة.
وحشتني.
ساعتها سألت طارق.
ضحك.
وقال إنها بتتكلم كده مع كل أصحابها.
وأنا صدقته.
أو يمكن
كنت محتاجة أصدقه.
بعدها بفترة، ليلى اختفت من حياتنا تقريبًا.
طارق قال إنها سافرت تشتغل في شركة تانية.
وانتهى الموضوع.
على الأقل بالنسبة لي.
لكن دلوقتي
هي رجعت.
ومش بس رجعت.
دي قاعدة على نفس الطيارة.
وطارق أعلن اسمها قدام كل الناس.
سمعت صوت المضيفة
حضرتك، لو سمحتي اربطي الحزام.
انتبهت فجأة.
بصيت على مروان.
الحزام بتاعه كان مربوط.
أنا ربطت بتاعي بسرعة.
الطيارة بدأت تتحرك ببطء.
مروان كان بيبص من الشباك الصغير.
ماما!
نعم؟
إحنا فعلًا في طيارة بابا!
حاولت أبتسم.
آه.
أنا مش مصدق!
ضحكت ڠصب عني.
كان المفروض أكون أسعد واحدة.
ابني أخيرًا في أول رحلة مع أبوه.
لكن بدل ما أشاركه فرحته، كنت قاعدة أفكر في ست قاعدة في مكان ما قدامي، وجوزي قال عنها إنها مميزة جدًا.
حطيت إيدي على كتف مروان.
بص قدامك يا حبيبي.
ليه؟
عشان لما الطيارة تطلع، متخافش.
ابتسم.
أنا مش بخاف.
عارفة.
أنا ابن طيار.
الجملة كانت المفروض تضحكني.
لكنها وجعتني.
الطيارة ارتفعت.
مروان صړخ من الفرحة.
أنا بصيت له.
كان بيضحك وبيصور السحاب.
ماما شوفي!
بصيت.
السحاب كان أبيض، والسماء صافية، والشمس داخلة من الشباك.
منظر جميل بشكل يوجع القلب.
حاولت أستمتع.
حاولت أنسى.
لكن فجأة
سمعت صوت ضحكة من الناحية التانية.
ضحكة ست.
قلبي دق.
لفيت راسي.
مش شايفة كويس.
كان فيه صفين قدامي وممر.
لكن الصوت
كنت عارفاه.
ليلى.
حسيت ببرودة في إيدي.
مروان
كان لسه مشغول بالتصوير.
قمت بحجة إني عايزة أروح الحمام.
مشيت في الممر.
كل خطوة كنت حاسة إنها تقيلة.
ولما وصلت قريب من مكان الصوت
شفتها.
ليلى.
قاعدة جنب الشباك.
لابسة بدلة بيج أنيقة، وشعرها مرفوع، ووشها هادي.
لكن اللي شدني أكتر
إنها كانت بتبص ناحية قمرة القيادة.
وبتبتسم.
ابتسامة ما كانتش ابتسامة مسافرة لطيار.
كانت ابتسامة واحدة
بتبص لحد بينها وبينه حاجة قديمة.
حاجة أنا معرفهاش.
عديت من جنبها من غير ما أبص لها.
لكن قبل ما أوصل الحمام
سمعتها بتقول للمضيفة
ممكن بعد ما نوصل أسوان، أستنى الكابتن طارق شوية؟
المضيفة ابتسمت.
أكيد.
دخلت الحمام وقفلت الباب.
وقفت قدام المراية.
بصيت لوشي.
كنت شاحبة.
فتحت الحنفية وغسلت وشي.
وقلت لنفسي
اهدي.
يمكن الموضوع عادي.
يمكن هي فعلًا مجرد زميلة.
يمكن طارق بيحضر لها حاجة تخص الشغل.
لكن عقلي كان بيرد عليا
لو مجرد زميلة
ليه قال إنسانة وجودها بيعنيلي الدنيا وما فيها؟
ليه اختار النهارده بالذات؟
وليه هي؟
وليه أنا ما كنتش أعرف إنها جاية؟
رجعت لمكاني.
مروان أول ما شافني قال
ماما! اتأخرتي.
آسفة.
بابا لسه ما اتكلمش.
آه.
سكت شوية.
وبعدين قال
هو بابا هيعرف إننا هنا إمتى؟
بصيت له.
دي كانت المشكلة.
أنا دلوقتي مش عايزة طارق يعرف.
مش عارفة ليه.
يمكن عشان خاېفة أشوف وشه.
خاېفة أشوف هل هيفرح؟
ولا هيتوتر؟
ولا
هيخاف؟
قلت لمروان
استنى لما ننزل.
بس أنا عايز أشوفه.
هنشوفه.
هفاجئه.
ابتسمت.
آه.
لكن جوايا كان فيه سؤال واحد
أنا هفاجئه
ولا هو اللي هيكشف لنا الحقيقة؟
بعد حوالي نص ساعة، الطيارة بدأت تهتز شوية.
مروان مسك إيدي.
ماما.
نعم؟
الطيارة بتتهز.
عادي.
متأكدة؟
آه.
حاولت أطمنه.
لكن فجأة
سمعت صوت طارق في المايك.
يا جماعة، عندنا شوية مطبات هوائية بسيطة، مفيش أي داعي للقلق.
نبرته كانت هادية جدًا.
نبرة الطيار المحترف.
مروان ابتسم.
بابا جامد.
بصيت له وقلت
آه جامد.
لكن بعد ثواني، المايك اتفتح تاني.
المرة دي ما كانش بيتكلم للركاب.
سمعت صوت واحد من أفراد الطاقم.
كابتن، هي وصلت.
طارق رد بصوت منخفض.
خليها تستنى.
سكت.
وبعدين قال
متخليهاش تنزل.
أنا اتجمدت.
الكلام كان واضح.
مروان ما سمعش كويس.
قال
بابا قال إيه؟
هززت راسي.
مفيش.
لكن جوايا
كل حاجة كانت بتصرخ.
مين هي؟
ليلى؟
وليه مستنيها؟
وليه مش عايزها تنزل؟
بعد شوية، الطيارة بدأت تستعد للهبوط.
مروان كان متحمس جدًا.
هننزل!
حاولت أركز معاه.
آه.
وأول ما ننزل هروح لبابا.
استنى.
ليه؟
عشان المفاجأة.
صح.
ابتسم.
الطيارة لمست الأرض.
مروان صفق.
وصلنا!
أنا كنت حاسة إني وصلت لحاجة تانية خالص.
وصلنا للحقيقة.
لكن لسه مش عارفة إيه هي.
الركاب بدأوا يقوموا.
مروان وقف في مكانه.
ماما، يلا!
مسك إيدي.
لكن قبل ما نتحرك
جت مضيفة ناحيتنا.
بصتلي وبعدين بصت لمروان.
وقالت بابتسامة
ممكن حضرتكوا تستنوا شوية؟
استغربت.
ليه؟
الكابتن طلب إن آخر ركاب ينزلوا بعد شوية.
قلبي وقع.
طارق؟
المضيفة هزت راسها.
آه.
مروان فرح.
بابا عرف!
المضيفة ضحكت.
واضح.
بصيت لها.
هو قال لك إن فيه حد هنا؟
ترددت لحظة.
قال لي إن فيه ضيف مهم.
حسيت بقلبي بيخبط.
ضيف مهم؟
مروان كان بيقفز مكانه.
أنا الضيف!
المضيفة ضحكت.
ممكن.
أنا ما ضحكتش.
لأن في نفس اللحظة
سمعت صوت خطوات جاية من ناحية باب قمرة القيادة.
خطوات طارق.
مروان شد إيدي.
ماما!
الباب اتفتح.
طارق خرج.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزته
شفت جوزي يبصلي بالطريقة دي.
وشه فقد لونه.
عينه اتسعت.
وقف مكانه.
ولا كلمة.
مروان جري عليه.
باباااا!
طارق نزل لمستواه وحضنه.
لكن حضنه ما كانش طبيعي.
كان متجمد.
إيديه حوالين ابنه، وعينه فوق كتفه
ثابتة عليا.
أنا كنت واقفة في مكاني.
مش عارفة أقول إيه.
بعد ثواني، مروان رجع خطوة وقال
فاجأناااك!
طارق حاول يضحك.
آه جدًا.
لكن صوته كان غريب.
قريب من الهمس.
قربت منه.
مفاجأة حلوة؟
بصلي.
ثانية.
اتنين.
وبعدين قال
أيوه.
لكن عينه ما كانتش بتقول كده.
سألته
إنت كويس؟
قال
آه.
متأكد؟
آه.
قبل ما أكمل
ظهر صوت من ورايا.
طارق.
طارق اتجمد.
أنا لفيت.
ليلى كانت واقفة عند أول الممر.
كانت بتبص له.
وبعدين بصتلي.
سكتت.
ثواني طويلة.
مروان بص بينا.
هي دي ليلى؟
طارق بص له.
وبعدين بصلي.
ليلى قربت.
أنا آسفة مكنتش أعرف إن
قاطعتها
إن إيه؟
سكتت.
طارق قال بسرعة
ليلى، استنيني برا.
بصت له.
بس إحنا لازم نتكلم.
قلت
نتكلم في إيه؟
طارق بصلي.
مش هنا.
ضحكت ضحكة قصيرة.
طب فين؟
في البيت.
ليه؟
عشان مروان موجود.
بصيت لابني.
كان واقف جنبنا، ماسك شنطته الصغيرة، ولسه حاطط رسمة الطيارة فيها.
وفجأة قال
بابا، ليلى دي صاحبتك؟
طارق سكت.
ليلى بصت في الأرض.
وأنا استنيت.
طارق قال
آه.
مروان سأل
طب ليه قلت إنها مهمة؟
السكوت اللي حصل بعدها
كان أطول من أي إجابة.
طارق قرب من ابنه.
عشان
لكن ليلى قاطعته.
عشان أنا كنت مرات أبوك.
مروان ما فهمش.
أنا
فهمت.
طارق فهم.
والدنيا كلها
وقفت.
بصيت لطارق.
مرات أبوك؟
ليلى غمضت عينيها.
طارق قال بسرعة
هي تقصد حاجة تانية.
ضحكت.
تقصد إيه؟
هشرح لك.
دلوقتي.
مش هنا.
دلوقتي يا طارق.
الركاب كانوا بدأوا يخرجوا.
المضيفات بقوا يبصوا لنا من بعيد.
مروان مش فاهم حاجة.
طارق قرب مني وخفض صوته.
انتي سمعتي نص الكلام بس.
وأنا المفروض أصدق النص اللي انت هتقوله؟
آه.
بعد ما عرفت إن ليلى كانت مرات أبوك؟
طارق سكت.
ليلى قالت
هو مكانش عايزك تعرفي.
بصيت لها.
إنتي اسكتي.
طارق رفع إيده.
مفيش حاجة بيني وبينها.
أنا ما سألتش.
بس انتي فاهمة غلط.
أنا لسه مش فاهمة أصلًا.
مروان فجأة شد إيدي.
ماما نروح؟
بصيت له.
ولأول مرة، حسيت إني لازم أوقف كل ده.
مش قدامه.
قلت
آه يا حبيبي.
طارق مسك دراع مروان.
استنى.
مروان بص له.
بابا؟
طارق قرب منه.
فيه حاجة لازم أقولها لك.
أنا قاطعته
مش قدامه.
طارق بصلي.
لازم.
مش دلوقتي.
لازم تعرفي.
وأنا هسمع.
سكت.
بعدين قال
ليلى
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *