اول مره

أول مرة شفت فيها يوسف العطار بعد إحدى عشرة سنة، كنت قاعدة مع توأمي في صالة الانتظار بمستشفى الجلاء العسكري في القاهرة. بنتي كانت نايمة على صدري، وابني بيلعب بالبطانية بتاعته، لما سمعت ضحكة عالية وبسخرية ورايا:
​— شوف مين هنا! الست اللي “عمرها ما هتخلف” جاية تتفسح بعيال غيرها!
​ماكنتش محتاجة ألف عشان أعرف صوت جيهان.
​يوسف كان واقف جنبها. ما بقاش الظابط الشيك الأنيق اللي كنت فاكراه. الشيب كان ملا شعره عند الصدغين، وكتافه مهدودة، وعلى وشه نظرة ألم وانكسار وهو بصاص لعيالي.
​— ياسمين… —همس بصوت واطي.
​ظبطت أيس كاب بنتي بهدوء:
— لو سمحتي وطي صوتك، عيالي نايمين.
​جيهان قربت بوقاحة:
— عيالك؟ أنتِ بجد جاية تتكلمي وتقولي كده هنا؟
​فجأة، سمعت خطوة جزم عسكرية بتقف ورايا بكل هيبة.
​— تمام يا فندم! أهلاً يا سيادة اللواء.
​إيد حنينة أخدت شنطة الحفاضات من على كتفي بالراحة، وصوت هادي وواثق سألني:
— كل حاجة تمام يا حبيبتي؟
​وش يوسف اتخطف ولونه طار.
​من إحدى عشرة سنة، كان عندي أربعة وثلاثين سنة، وتسع سنين جواز، وحياة كاملة متفصلة ومتنظمة حولين شغلي وحياة يوسف العسكرية. كنت أجلت الماجستير في البيوتكنولوجيا، ونقلنا من مكان لمكان، وفرص كتير ضاعت مني لأني كنت فاكرة إن الحب معناه إني أحط أحلام غيري الأول.
​أمه، الحجة إلهام، بدأت تتغير معايا لما السنين عدت وما خلفناش.
— ابني محتاج عيلة حقيقية وابن يشيل اسمه، —كانت بتكررها كل شوية.
​ويوسف عمره ما وقفها أو قال كلمة.
​في عصر يوم، الحجة إلهام جابتلي ميعاد في مركز تحاليل وخبرة إنجاب خاص في المهندسين. قالت إنها تعرف مدير المركز وأن الموضوع مش هياخد وقت وهيتعمل بسرعة.
​بعد أسبوعين، اتقابلنا في كافيه قريب من مستشفى الجلاء العسكري.
ماكانش في دكتور قاعد.
​الحجة إلهام فتحت فايل وأنا قاعدة.
المخزون للتبويض منخفض جداً وفي حالة حادة.. احتمال فشل مبكر.. نسبة الحمل الطبيعي شبه معدومة.
​حسيت بطفين وزنة غريبة في ودني.
— أنا عايزة أُعيد التحاليل دي في معمل تاني.
​يوسف تهرب من إنه يبص في عيني:
— مافيش داعي نطول في الموضوع ونسوف.

​طلع فايل تاني.
كانت ورقة ورغبة طلاق موقع عليها من أربعة أيام قبل ما نتائج التحاليل توصلنا أساساً!
​— أنت كنت مقرر تطلقني وتسيبني من قبل ما تطلع النتيجة؟
​الحجة إلهام ردت بداله بكل قسوة:
— يوسف محتاج عيال وزوجة تدعمه وتكبره في شغله ورتبته.
​ساعتها فهمت ليه جيهان، بنت رجل أعمال له معارف ونفوذ في القطاع الطبي، كانت بقالها شهور بتظهر فجأة في كل عزومة وعيلة.
​بصيت لجوزي:
— في حاجة بينكم؟
​سكوته كان كفاية جداً.
​طلبت حاجة واحدة بس:
— سيبني أعمل التحاليل في معمل تاني.
​— ياسمين، خلاص بلاش دراما وكلام ملوش لازمة.
​الكلمتين دول نهوا جوازنا. مش بسبب التقرير، بس لأني فهمت إن الراجل اللي عشت معاه تسع سنين ماكانش محتاج يتأكد لو الكلام صح ولا لا، هو بس كان يدوب يدور على حجة مريضة وسهلة عشان يمشي.
​مضيت. رفضت الفلوس اللي أمه حطتها على الترابيزة، وفي نفس الأسبوع أخدت شنطتين سفر ومشي.
​بعد ثلاث ليال، كملت أبلكيشن منحة دراسية كان مركون بقاله شهور جامعة في برشلونة.
كتبت في الخطاب بتاعي: “عمر ما هسمح لنتيجة معمل تحديد قيمتي من تاني.”
​بعد أربع شهور كنت في إسبانيا.
الحياة كانت صعبة، بس لأول مرة الأخطاء ماكانتش إهانة. لما تجربة تفشل، حد يقول:
— تعالوا نراجع الخطوات والتجربة.
محدش كان بيبصلي أو يقولي أنتِ ست ناقصة.
​بعد سنتين، جالي إيميل من مصر. كان من نادية، فنية تحاليل في المركز القديم:
“أثناء مراجعة وتفتيش دوره المعامل لقينا تلاعب في فايلات كتير، وفايلك كان واحد منهم.”
​بعتتلي النسخ الأصلية. هرموناتي كانت طبيعية جداً وممتازة! رقم العينة بتاعي تم تبديله وتغييره بواسطة حساب مرتبط بقريب للحجة إلهام.
​عدت كل التحاليل في برشلونة.
الدكتورة المتابعة قالتلي بوضوح:
— مافيش أي حاجة طبية تمنع حملك أو توحي بالتخريف ده.
​عيطت ساعتها، مش على يوسف، بس على السنين اللي كرهت فيها جسمي ونفسي.
​من ساعتها وجهت أبحاثي في الجودة ومراقبة عينات التحاليل.
​بعد خمس سنين، مشروع مشترك بين مصر وإسبانيا رجعني القاهرة. مدير المشروع كان اللواء طبيب طارق حمزة.
​طارق ماكانش بيتباهى برتبته، ماكانش بيقاطع حد في الكلام، ولما كان يجهل حاجة يقول بوضوح:
— دي مش نقطة تخصني، علميني إياها.
​أنا كنت بقلق وبخاف بالذات من أي حد يلبس ميري.
بس هو عمره ما حاول يقنعني إنه مختلف، هو بس كان مختلف بالفعل.
​في مؤتمر في مدريد، أنا اللي اعترفت له إني كنت متجوزة قبل كده.
— مش عايزة تعرف الجوازة خلصت ليه؟
— لو حابة تحكيلي هسمعك، بس محدش مفروض يقدم كشف حسابه وجروحه القديمة عشان يستحق الحب.
​مع الوقت حكيت له الحقيقة.
— لو في يوم اتكلمنا عن الخلفات، —قاللي— هيكون عشان أنتِ عايزة، مش عشان نثبت حاجة لأي حد.
​اتجوزنا بعد سنتين في فرح صغير هادي على النيل في المعادي. رجعت القاهرة عشان أدير برنامج جودة في تشخيص الخصوبة، وطارق ترقى مع السنين وبقى لواء أركان حرب طبيب.
​ولما قربت من سن السنتين والأربعين، قررنا نجرب ونحاول نخلف.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *