وصية اماني سيد

الكلام نزل عليا زي السم، حسيت بالخزي بياكل في جسمي كله، ولما جيت أدافع عن نفسي مقدرتش أطلع حرف. وفجأة، الباب اتفتح، ودخلت شهيرة.. كانت داخلة متأخرة، بتنهج ووشها مشدود، ماسكة الشنطة في إيد وماسكة الولد في الإيد التانية. عينيها أول ما وقعت عليا وشافتني فايق ومفتح، ارتبكت لثواني، وحسيت بنظرة غريبة في عيونها مكنتش قادر أفسرها.. نظرة واحدة مطمنة إن كل حاجة بقت في جيبها رسمي، بس اتفاجئت بوجود أهلي كلهم واقفين سادين الأوضة بجمود وقسوة ومحدش فيهم طايق حتى يرد عليها السلام.

شهيرة وقفت مكانها عند عتبة الباب، عينيها راحت لأمي وإخواتي اللي كانوا واقفين زي الجدار الصامد، ملامحهم خالية تماماً من أي ترحيب. بلعت ريقها وحاولت ترسم على وشها ابتسامة مهزوزة، وقربت خطوتين وهي شادة الواد في إيدها وقالت بصوت ناعم ومفتعل: ـ حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. ألف حمد وشكر ليك يا رب، والله العظيم قلبي كان هيقف من الرعب عليك. أخويا مقدرش يمسك نفسه، طلع تريقة واضحة وضحك بسخرية وقالها ببرود: ـ باين أوي الرعب في عينيكي، مبروك يا ستي.

. الورق خلاص ختمتيه وتمام؟ ملحقتيش حتى تغسلي إيدك من حبر التوثيق وجاية تطمني؟ وش شهيرة احمرّ، وارتبكت بجد وعينيها زاغت بيني وبينهم، وحاولت تدافع عن نفسها بنبرة مسكنة: ـ إنت بتقول إيه يا أستاذ أنت؟ أنا روحت ألحق الإجراءات مع المحامي زي ما هو وصاني بالظبط قبل ما يدخل، قال عشان أضمن حقي وحق ابنه لو حصله حاجة، وده أمر الله.

أمي وقفت ببطء، وبصتلها بجمود يقطع الخلف، وقالت بصوت هادي بس مليان هيبة وقهرة: ـ ده حقك اللي شفتيه، لكن حق الراجل اللي سايباه بين الحيا والمو. ت ومستنتيش حتى تعرفي هيخرج حي ولا في كفن، ده مكنش في حساباتك.. عالعموم يا بنتي، مبروك عليكي المال اللي دخلتيه على خراب بيوت تانية، إحنا ماشيين. أمي بصتلي نظرة أخيرة، نظرة أم بتودع ابنها اللي نزل من نظرها لسابع أرض، وقالتلي: ـ إنت دلوقتي مش محتاجنا، عندك مراتك وابنك اللي خفت عليهم من الدنيا كلها وخوفتنا منهم..

ربنا يهديك لنفسك يا ابني ويشفيك، بس متستناش مننا نزورك تاني لحد ما تفوق لنفسك وتعرف إنت عملت إيه في بناتك وفينا. خرجت أمي، ووراها إخواتي من غير ما يبصوا وراهم، ورزع الباب وراهم هز جدران الأوضة وهز روحي معاه. فضلت في السرير مش قادر أتحرك، عيني متعلقة بشهيرة اللي حطت شنطتها على الكرسي بارتياح واضح بعد ما خرجوا، وقعدت على طرف السرير وقالتلي بنبرة مفيهاش ذرة من اللهفة بتاعة زمان: ـ متزعلش نفسك يا حبيبي من كلامهم، هما مقهورين بس عشان ضمنت مستقبلي ومستقبل ابنك رسمي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *