وصية اماني سيد

الناس في السوق اللي كانوا زمان بيقوموا يقفوا لما أعدي ويهتفوا “يا مرحب بالمعلم”، بقوا بيبصولي بشفقة ممزوجة بضحكة شمتانة. كنت بنكس راسي في الأرض وأعدي بسرعة، خايف عيني تيجي في عين حد كان بيطلب مني سلفة زمان. وفي البيت، البيت اللي كان المفروض ملجأي ومكافأتي على التضحية بكل حاجة، اتحول لسجن بارد. شهيرة ملامحها اتغيرت تماماً؛ مفيش كلمة حلوة، مفيش طبق سخن يستناني. بقت تعاملني كأني عالة تقيلة، كل ما أحط اليومية في إيدها تبصلها بقرف وتلوي بوزها: ـ هما دول اللي جاي بيهم؟ دول ميكفوش بامبرز ولا لبن لابنك..

شوفلك شغلانة تانية بعد الظهر ولا اتصرف، إحنا مش هنعيش على الفتات ده! حتى الواد، ابني اللي حاربت عشانه ورميت بناتي في النار علشانه، كبر وبقى يشوف أمه بتعاملني باحتقار، فبقى يتعامل بنفس الطريقة؛ ينفر مني لما أمد إيدي أسلم عليه عشان إيديا خشنة وريحتها عرق وزيت، ويجري يستخبى في ح. ضن أمه اللي كانت بتملى دماغه كل يوم إنها هي اللي شايلاه وإن أبوه “راجل على قده مبيعرفش يجيب قرشين”.

وفي يوم جمعة، كنت مروح بدري ساعتين، ماشي في الشارع مهدود وبجر رجليا بالعافية، لمحت عربية شيك وجديدة ركنت على أول الشارع عند كافيه نضيف. نزل منها راجل لابس بدلة شيك، وفتح الباب اللي جمبه بكل احترام… ونزلت نسمة. اتسمرت مكاني كأن صاعقة ض. ربتني. نسمة كان وشها منور، لابسة ومرتاحة، ملامح القهر والعياط اللي سيبتها بيها اختفت تماماً، ورجعت لها هيبتها وضحكتها الصافية. ووراها نزلوا البنات.. نور كبرت وبقت عروسة زي القمر، وأختها بتضحك وماسكة في إيدها ألعاب وكتب. البنات كانوا بيضحكوا من قلبهم، ونور جريت وح. ضنت مامتها والراجل بيطبطب على كتفها بحنية أب حقيقي.

وقفت ورا شجرة، متداري بهدومي المغبرة المبهدلة وشنطة العدة اللي قطعت كتفي، بدموع مكتومة بتحرق في عيني. كنت شايف حياتي اللي رميتها بإيدي عايشة ومبسوطة من غيري، بناتي اللي قولت لأمهم “انتي مسؤولة عنهم” ربنا عوضهم بأم ست بمليون راجل وبحياة كريمة ونضيفة، والكسرة اللي كسرتها ليهم على باب العمليات داواها الزمن، ومفضلش غيري أنا المكسور والمتبهدل.

مسحت دموعي بإيدي المشققة، لفيت ضهري ومشيت في السكة الضيقة المؤدية لبيت شهيرة، وأنا حاسس بكل خطوة إن روحي بتتداس.. أدركت ساعتها إن أكبر عقاب ربنا بيكتبه على البني آدم مش إنه يفقره ولا يمرضه، عقابه الأكبر إنه يخليه يعيش ويشوف بعينه إزاي اللي ظلمهم بيعيشوا في نعيم، وهو محبوس في جحيم اختياره لحد آخر نفس في عمره.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *