وصية اماني سيد
على الكسرة اللي كسرتها لبنتك على باب العمليات؟ ولا على الغدر بست وقفت جمبك وصنعتك من الهوا؟ نسمة نفضت إيدها منك للأبد، والست التانية قفلت عليك الباب وخدت الجمل بما حمل.. إنت دلوقتي واقف في الهوا، لا طايل ولد ولا طايل بنات، والذنب اللي ركبته طلع عليك في الدنيا قبل الآخرة. أمي كملت كلامها بنبرة حاسمة وصوت مفيش فيه ذرة تردد: ـ طلقها يا ابني.. طلقها بالمعروف وبلاش تبهدلها في محاكم بعد كل اللي عملته فيها، إنت متستاهلهاش ولا تستاهل ضفرها.
قومت مفزوع، نزلت السلالم جري وأنا مش شايف الطريق، وركبت أول تاكسي وقولتله على عنوان بيت حمايا القديم.. البيت اللي نسمة راحتله بعد ما سابت شقتنا. وصلت العمارة، طلعت السلالم وأنا بنهج وروحي بتتسحب مني. وقفت قدام الباب وفضلت أخبط بخبطات متتالية، مرتعشة ومفضوحة: ـ نسمة! افتحي يا نسمة عشان خاطري، اسمعيني بس.. أنا غلطان والله غلطان، افتحي يا أم البنات! فضلت أخبط لحد ما إيدي وجعتني، البيت كان ساكت خالص، وفجأة سمعت حركة خفيفة ورا الباب، وصوت نسمة طالع من جوا حاد وناشف زي الحجر: ـ امشي من هنا يا أستاذ.
. وجودك ملوش أي معنى ولا كرامة، الباب ده اتقفل في وشك ومش هيتفتح تاني، والمحامي هو اللي بيني وبينك. صرخت بضعف ودموعي نازلة تحرق خدي: ـ متعمليش كدة يا نسمة، أنا اتعاقبت وربنا جابلك حقك تالت ومتلت، شهيرة خدت كل حاجة ورمتني.. اسمعيني بس ونرجع لعيالنا! كنت مستني نسمة تشمت أو تزعق، لكن اللي صدمني وقطع قلبي حتت كان صوت صغير قرب من فتحة الباب.. صوت بنتي نور. قالت بنبرة طفولية بس مليانة جفا ووجع سنين: ـ امشي يا بابا.. إنت نسيتنا هناك عند العمليات وقولت إنك مش عايزنا، وإحنا كمان خلاص نسيناك ومش عايزينك.. متخبطش على بابنا تاني!
رجعت لورا خطوة، ساند ضهري على الحيطة في مدخل السلم، الدموع مغرقة وشي، وصوت بنتي بيرن في وداني زي الحكم بالإعدام. حسيت بسواد ملوش آخر بيقفل عليا، واقف في الشارع خالي الوفاض، لا بيت، ولا مال، ولا عيال، أدركت ساعتها إن اللي بيخسر بناته وأصله عشان وهم.. بيفضل طول عمره غريب ومكسور، ومفيش باب في الدنيا هيرضى يتفتحله تاني. حاولت مرة واتنين وتلاتة، روحت بيت حمايا بالساعات، وقفت تحت البلكونة، بعت وسايط وناس كبار من العيلة يترجوها، بس كان الباب مقفول بالضبة والمفتاح، ونسمة حلفت ما يجمعني بيها سقف واحد تاني، وبناتي كانوا بيستخبوا أول ما يلمحوا خيالي من الشباك.



