وصية اماني سيد
اتسمرت مكاني وبصيت لحيطان الشقة اللي فرشتها من خير نسمة، بصيت للصالون والشاشات والديكورات اللي دفعت فيها دم قلبي عشان أرضي غروري بالولد.. في اللحظة دي بالذات، حسيت بصفعة الزمن بتنزل على وشي بكل قسوة.. داين تدان، والذنب اللي ركبته في حق نسمة وبناتي، ربنا ردهولي في نفس الدايرة ومن نفس الإيد اللي بعت الدنيا عشانها! مقدرتش أستحمل ثانية واحدة زيادة في الشقة، حسيت الحيطان بتطبق على نفسي، وخنقة المو. ت اللي هربت منها رجعت تخنقني بس على إيد الست اللي سلمتها روحي ومالي.
سيبتها واقفة ببرودها، ونزلت أجر رجليا في الشارع زي التايه، مش شايف قدامي والدم بيغلي في نافوخي مكان العملية، ومعرفتش أروح فين إلا على بيت أمي. طلعت السلم وأنا ساند على الحيطة من كتر الضعف والخزي، خبطت على الباب بإيد مرتعشة. لما أمي فتحت وشافتني بالمنظر ده، اتخضت لحظة كأي أم، بس ملامح الجمود رجعت على وشها بسرعة. دخلت ورميت نفسي على الكنبة، وانفجرت في العياط زي العيل الصغير، وحكيتلها كل كلمة شهيرة قالتهالي، حكيتلها إنها بتساومني على شقا عمري وعايزاني أشتغل أجير عندها وتحت رحمتها ورافضة ترجعلي مليم.
كنت فاكر أمي هتصرخ معايا، أو تقول لأخويا ينزل يبهدلها وياخد حقي، لكن أمي فضلت قاعدة مكانها، باصة في الأرض بهدوء مرعب، اتنهدت تنهيدة طويلة كلها وجع وقالتلي بصوت هادي وميت: ـ استعوض ربنا في فلوسك يا بني.. الفلوس راحت خلاص، زي ما إنت روّحت حق بناتك زمان. إنت خسرت فلوسك، وخسرت مراتك، وخسرت بناتك من قبلهما. رفعت راسي مذهول ولساني مش قادر ينطق، فكملت أمي بنفس النبرة المكسورة: ـ حماك كلمني أنا وإخواتك من كام يوم، الراجل اتكلم بأدب وأصل يكسف، وقالنا نبلغك عشان مبقاش طايق حتى يسمع صوتك في التليفون.
. نسمة رافعة ق\ضية خلع، ومش عايزة منك ولا مليم، ولا مؤخر، ولا نفقة، ولا عايزة تلمح طيفك تاني. قالت لأبوها: “أنا متجوزتش راجل عشان استنى منه ورث، دهبي وشقايا فدا بناتي، بس الراجل ده لو دخل من باب هدخل من التاني”. حسيت كأن س\كينة باردة نزلت شقت صدري، بصيت لأمي بدموع بتكوي عيني: ـ خلع يا أمي؟! نسمة تخلعني ومستنيانيش حتى أروحلها أعتذرلها وأبوس رجلها؟ أمي بصتلي نظرة قطعت آخر حبل أمل في قلبي وقالت: ـ تعتذر على إيه ولا إيه يا ابني؟

