طعم ف يدا اليفه الخامس

خرج إلى غرفة المعيشة، فوجد والدته جالسة على مقعدها، تحرك مسبحتها بين أصابعها، وتتمتم بأذكارها.

رفعت عينيها إليه، وما إن رأته حتى لمعتا بالدموع.

– أنتَ صحيت يا حبيبي؟

أومأ دون كلام، ثم ألقى بجسده المنهك فوق الأريكة.

– لو فيه أكل يا ماما… هاتيلي أكل.

نهضت والدته سريعًا، تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها.

– عيني يا نور عيني.

تحركت إلى المطبخ، وما إن أدارت ظهرها له حتى خانتها دموعها.

كانت تعرف… تعرف لماذا استيقظ ابنها اليوم بهذا الوجه الشاحب، ولماذا لم يسأل حتى عن مصدر تلك الأصوات التي تهز الحي.

أما هو…
فنهض واتجه إلى شرفة منزله.

وقف بها طويلًا، وعيناه معلقتان بالأنوار التي تزين المنزل المقابل.

منزلها… اليوم تُزف لغيره… اليوم ستصبح زوجة لرجل آخر.

اليوم، سيقف الجميع حولها يهنئونها، بينما سيقف هو في مكان بعيد، يحاول أن يقنع قلبه أن الفتاة التي أحبها لسنوات لم تعد له.

ابتلع غصة حارقة… اليوم سيدفن حيًّا.

انفلتت دمعة من عينه، فمسحها سريعًا، وكأنه غاضب من نفسه لأنها فضحت ضعفه.

استند بظهره إلى جدار الشرفة، ورفع عينيه إلى السماء.

لم يطلب منها شيئًا… لم يعترض على قدره.

فقط ناجى ربه بصمت:
– يا رب… اشفِ قلبي من حبها، لو كان حبها مش مكتوب لي.

أغمض عينيه.

في تلك اللحظة نفسها، دوّت الزغاريد.

فتح عينيه، لكن صوتهن هذه المرة لم يصل إلى أذنيه فقط… بل ذبح شيئًا داخله.

ضغط كفه على صدره، كان قلبه بالفعل يتألم.

بعد قليل، عادت والدته تحمل الطعام.

وقفت خلفه، ثم قالت بحنان حاولت أن تجعله طبيعيًا:
– تعالى كل يا حبيبي… خالك اتصل وعايزك ضروري.

أومأ لها، جلس أمام الطعام، والتقط بضع لُقيمات، حاول أن يبتلعها… ولكنّه فشل.

كان حلقه مغلقًا بالحزن.

ترك الطعام، ونهض.

– هروح أشوف خالي.

نظرت والدته إلى الطبق.

– ماكلتش يا ابني.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.

– شبعت.

أخذ سترته من مكانها، وخرج.

كان يمشي بصعوبة، وكل خطوة تقربه من منزلها كأنها تقوده إلى جرحه بقدميه.

حتى توقف أمام بيتها… رفع عينيه إلى الأنوار، ولم يتحرك.

أما والدته، فكانت تراقبه من بعيد، والدموع تملأ عينيها.

وضعت يدها على صدرها، وهمست:
– يا رب يعوض عليك يا حبيبي… بالأحسن منها، ويجبر قلبك.

بينما هو لم يفكر طويلًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *