طعم ف يدا اليفه الخامس

نطق بها عقله، بينما رفض قلبه حتى مجرد تخيلها.

فتح عينيه من جديد، فوجد يدها ما زالت متشبثة بكف مروان.

ظل يحدق فيها… ثم رفع عينيه إلى وجهها.

وانزلقت دمعة حارقة فوق وجنتها، فارتجف قلبه أمامها، رغم كل ما حاول إخفاءه.

نظرت إليه نظرة تمنت أن يفهمها، وهي تتمنى أن تلقي بنفسها بين ذراعيه…

أن تصرخ فيه: خُدني واهرب بي من هنا.

كانت تريد أن تخبره أن كل كلمة قالتها كذبة، وأن قلبها لم يختر سواه، وأنها مستعدة لأن تواجه العالم كله ما دام هو بجوارها.

لكن صورة والدتها الملقاة على فراش المرض حضرت أمام عينيها… فخرس قلبها.

وفي المقابل، لم يرحم مروان قلب عبد الرحمن.

فأحاط خصرها بذراعه، وجذبها إليه أكثر، حتى أصبحت تحت ذراعه، وكأنه يتعمد أن يضع أمام عينيه حقيقة لا يستطيع احتمالها.

تجمد عبد الرحمن.

حدق في ذراع مروان حول خصرها، ثم في وجه خديجة الذي تحول إلى البرود.

كان المشهد أكبر من قدرته على الاحتمال.

تراجع خطوة إلى الخلف… ثم أخرى.

ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة، وكانت عيناه تقولان ما عجز لسانه عن قوله:
_ لماذا فعلتِ بي هذا؟

أما هي، فكانت تنظر إليه بعينين تستغيثان به، رغم أنها هي من طلبت منه الرحيل.

لكنه استدار فجأة، وغادر المكان بخطوات سريعة، كأنه يهرب من عدو يطارده…

بينما بقيت خديجة مكانها، تتابع ظهره بعينيها حتى اختفى.

وما إن غاب عن ناظريها، حتى انهارت ابتسامتها.

تحاول أن تمنع قلبها من الخروج خلفه… لكن قلبها كان قد رحل معه بالفعل.

مساء اليوم
ذهب خالد الى منزل عبد الرحمــــــــن
ابنك لو مبعدش عن اختي، هخليه يعفن في السجن، وانتِ عارفة اقدر اعملها
مبقاش ليهم نصيب مع بعض، خليه يحترم الجيرة، انا عملت خاطرة للجيرة وجت لك لحد هنا
خرج عبد الرحمــــــــن على صوت خالد
_عايز إيه ياخالد
_اسأل أمك…
_امي… طيب اسمعني ياابو الرجولة، لو شوفتك قريب من بيتي هكسر لك رجلك، ويلا برة
_عبد الرحمــــــــن ايه اللي بتقوله دا
_اطلع برة…
خرج عمر على صوت اخيه، اقترب من خالد
_لو سمعت ياخالد امشي دلوقتي
رمقهم خالد بنظرات مشمئزة، ثم غادر
بينما دلف عبد الرحمــــــــن غرفته، اشارت حسناء الى عمر
_الحقه حبيبي، حاول تهديه
_حاضر ياماما
بعد فترة طرقات على باب منزل عبد الرحمــــــــن ، وصل صديقه اليه
_ايه ياعم، قولت هتيجي وملفتش
_اسف ..
_طيب عندي ليك عرض، اقعد اقوله ولا شكلك مش قابل كلام
دخلت حسناء وهي تحمل القهوة
_معقول ياعادل، تيجي لحد هنا وماتشربش القهوة
جلس يربت على ساق عبد الرحمــــــــن
الشركة اللي شغال فيها، طالبين مهندسين في كل الاقسام، والمرتب مغري اوي، ايه رأيك تجرب
_يجرب ميجربش ليه
قالتها حسناء الجالسة بمقابلتهم
نفث رماد سجائره، وهو ينظر لوالدته
_اسافر واسيبك انت وعمر، لا مستحيل طبعا
_انت لسة شايفني عيل ياعبدالرحمن، انا بعد كام شهر هتخرج
_ولو برضه انسوا
قاطع حديثهم صوت زغاريد بالشارع، فتحت حسناء النافذة
_ربنا يفرح الجميع يارب، ياترى الزغاريد دي جاية منين
استمعت الى صوت احد الجيران
_مبروك ياجيهان لخديجة، فرحت لها والله، الواد باين عليه حلو ومتريش
نظرت جيهان لحسناء وقالت
_هو من جهة حلو فهو قمر ١٤ ياخالتي، ومن جهة متريش، مش اقولك مهر بس فيلا ياختي معرفش فين معدي الخمسة مليون غير الدهب، والله البت خديجة ناصحة وحماتي دعت لها، البت ماصدقت، والصراحة تستاهل اصلها جميلة ماانت عارفة
ردت الاخرى
_هي تستاهل فعلا، جمال واخلاق، ربنا يسعدها يارب
دخلت جيهان بينما ظلت حسناء تنظر للخارج ودموعها انسابت رغما عنها، على حظ ابنها في حبيبته، ازالتهم واستدارت سريعا
_نورت ياعادل
نظرت لابنها الذي شحب وجهه وتجمعت الدموع بعيناه، نهض وهو يقول بنبرة متقطعة
_تعالى ننزل نتمشى ياعادل شوية
اومأ عادل وهو ينظر لحسناء التي هزت رأسها بصمت
باليوم التالي
دلف عبدالرحمن الى الورشة، يبحث عن فاروق، قابله خالد لم ينظر اليه، فنادى الى احد الصبيان
_المعلم فاروق مجاش
هز الصبي رأسه وقال
_هيجي بعد الضهر، وبيقولك انت لازم تخلص العربيتين دول، ومحدش يقرب منهم غيرك
نظر للسيارات وقال له
_لا.. لما يجي قوله عبدالرحمن ساب الورشة
في تلك اللحظة وصل احد ملاك السيارات
_يعني معلمك بيضحك علي
_لا والله ياباشا، البشمهندس هيخلص لك العربية
نظر الصبي لعبد الرحمــــــــن برجاء، سحب عبدالرحمن ملابس العمل من يده، وتحرك للداخل
مضى اكثر من ساعتين، غادر خالد بعدما قال للصبي
_انا رايح المستشفى، لو المعلم فاروق جه
بعد فترة
وصلت الى الورشة توقفت تراقبه ودموعها تنساب على خديها، سحبت اقدامها واتجهت اليه، الى أن اصبحت خلفه مباشرة
_عايزة اتكلم معاك في موضوع مهم
تجمدت يداه على مايفعله، ظل يواليها ظهره لدقائق، ثم استدار اليها ببطء
تقابلت الاعين في عتاب مؤلم، حمحم وتراجع وهو يخرج سجائره، وأشعلها، وطالعها مقطب الجبين
_موضوع زي ايه
_هنتكلم كدا، في الشارع قدام اللي رايح واللي جاي
نفث دخان سجائره، وهو يرمقها بثبات مصطنع
_مش فاضي
_بس الموضوع مهم ياعبد الرحمن
_مفيش أهم من شغلي دلوقتي، روحي، وأنا لما افضى هكلمك، ولا أقولك كلمي خطيبك هيفيدك اكتر وخاصة متريش
اقتربت منه ورفعت عيناها التي لمعت بطبقة من الدموع
_شغلك أهم مني
اومأ وهو ينفث سجائره بلا إكتراث
_اه… اللي يخصني أهم من أي حد في الدنيا.. ومش عايز اضيع وقتي في حاجة متستهلش
كانت تعلم سيكون رده قاسي، ولكنها اشتاقت اليه، اتت عله يجد لها حلا فيما يحدث معها، تريد ان تشكي له مافعلته جيهان، تريد ان تبكي في احضانه علها تجد مأمنها به، بعد أن منعتها بالجلوس مع والدتها بالمشفى سوى دقائق معدودة يوميا
_عبدالرحمن لازم تسمعني
_قولت لك مشغول… طعنها فوق ماتشعر به هزت رأسها وقالت
_اسفة عطلتك يابشمهندس
_عادي… تمتُم بها ودلف للداخل، بينما هي تجمد جسدها للحظات، تشعر أنها فقدت الحركة، وكأن قدميها التصقت بالأرض، سحبت اقدامها بصعوبة، تشعر بانخفاض انفاسها، تتحرك ببطء تتخبط بسيرها كطفلا يتعلم السير، ودموعها تفرش طريقها، تريد أن تصرخ، تريد ان تبكي بصوتا مرتفع، ولكنها تشعر وكانها داخل قبر، انفاسها ثقيلة
وصلت إلى منزلها بصعوبة، فهوت على الدرج، على كفها، رأتها صديقتها من نافذة منزلها، سحبت حجابها، وركضت اليها
_ خديجة، خديجة، مالك ياقلبي
بسم الله، بسم الله
لكن بترت حروفها
_كنت فين ياغندورة، وسايبة البيت يضرب يقلب، حد قالك انا الخدامة بتاعتكم
هبت حنان صديقة خديجة
_انت مش شايفة حالتها، اتفي ربنا شوية
نفخت الاخرى بتصنع بصدرها
_ حوش ياحواش، والبعيدة بصفتها ايه
امشي يابت انجري على بيتكم ولا انادي لابوكي يعلم على جسد مك زي المرة اللي فاتت
رمقتها حنان باشمئزاز
_انسانة بشعة، ربنا يخلصنا منك

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *