روايه كامله للكاتبه زهرة الربيع

طول الطريق للمستشفى، العربية كانت عبارة عن سجن مقفول علينا. صوت عياط مراتي المكتوم كان بينزل على قلبي زي الزيت المغلي. كنت ماسك الدركسيون بأيد بتترعش، وكل شوية أبص لها من المراية وأحس بالقرف من نفسي. أنا عملت إيه؟ إزاي الغل والصفار اللي جوايا يعموني للدرجة دي؟ كنت مركز إزاي أغيظ أميرة، وملاحظتش إن مراتي وشها أصفر زي الليمونة بقالها أسابيع، وبتشتكي من وجع وأنا بقولها “معلش يا روحي ده أعراض الحمل العادي”!

وصلنا المستشفى، وكانت أميرة هناك قبلينا. كانت لابسة البالبي والبالطو الأبيض وجاهزة، وبتتحرك في الطوارئ بمهيبة وثبات خلى كل الممرضين والمساعدين ينفذوا أوامرها في ثواني. في اللحظة دي، شفت “دكتورة أميرة” اللي كنت بغير من اسمها، بس المرة دي ما حسيتش إن رجولتي بتهان.. حسيت إنها طوق النجاة الوحيد اللي فاضل للغلبانة اللي معايا.

أميرة جرت على مراتي، مسكت إيدها وحطتها على الترولي، وبصتلي بصة سريعة جافة وقالتلي:

“التحاليل جاهزة وأنا جهزت غرفة العمليات.. الورم لازم يتشال دلوقتي قبل ما يحصل نزيف أو مضاعفات. أنزل خلص إجراءات الدخول واقعد برة استنى.”

سابتني ومشيت بمراتي ناحية العمليات، وأنا وقفت في نص الطابق زي المكسور. قعدت على كرسي الانتظار، حاطط وري بين إيديا.. الثواني كانت بتمر زي السنين. كل فكرة كانت بتنهش في دماغي: لو كان جرى لها حاجة؟ لو أميرة ما كانتش شاطرة ولحقتها؟ هقول لإهلها إيه؟ هقول لنفسي إيه؟ إني ضحيت بصحتها عشان أعمل شو وأثبت لنفسي إني “راجل”؟

بعد حوالي ساعة ونص، اتفتح باب العمليات. خرجت أميرة وهي بتخلع الماستك الطبية ومسحت العرق من على جبهتها. الملامح الإجهاد كانت باينة على وشها، بس كانت هادية. أول ما شفتها، قمت وقفت وجريت عليها زي العيل اللي خايف من العقاب، وقولتلها بصوت مخنوق ومكسور:

“أميرة.. قوليلي، هي كويسة؟”

أميرة بصتلي بجمود، بس نبرتها كانت عملية ومحترفة:

“الحمد لله، العملية تمت بنجاح واستأصلنا الورم بالكامل ومن غير ما نضطر نمس الرحم. هي كويسة وهتتنقل أوضة العادية دلوقتي.. بس محتاجة راحة تامة ومتابعة، والأهم من ده كله.. محتاجة حد يرعاها بجد، مش حد يستخدمها كارت في لعبة مراهقين.”

الكلمة كانت أتقل من الطعنة. ما قدرتش أرد، ولا أرفع عيني فيها. طأطأت رأسي في الأرض وسكت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *