روايه كامله للكاتبه زهرة الربيع

في يوم، كنت واقف في سوبر ماركت كبير بنقي حاجات مع ولادي، وسمعت صوت حركة ودوشة ورايا، وبعدين صوت طفل صغير بيضحك بصوت عالٍ وبيجري. تلفّت بعفويّة، ولقيت طفل عنده حوالي أربع سنين بيلعب، ووراه ست نازلة على ركبها بتجري وراه وهي بتضحك ومبسوطة.
الست دي كانت أميرة.
اتسمرت في مكاني. المرة دي مكانش في بالطو أبيض ولا سماعة دكتورة، كانت لابسة هدوم كاجوال بسيطة، وبشرتها رايقة، وعلى وشها ابتسامة دافية وصافية عمري ما شفتها على وشها أيام ما كنا مع بعض. وفي اللحظة دي، قرب منها راجل هادي، ملامحه طيبة، وجميل التعامل، شال الطفل على كتفه وحط إيده التانية على ضهر أميرة بكل حنية وحماية، وهي بصتله بنظرة أمان ورضا.. نظرة كنت زمان فاكر إن شغلي وياها هو اللي كان مانعها، بس اكتشفت إنها كانت محتاجة بس الراجل اللي يحتل نجاحها ويدعمها من غير ما يحس بالتهديد.
أميرة رفعت عينها بالصدفة ولمحتني واقف على بعد خطوات.
اللحظة اتجمدت.. بس المرة دي ما كانش فيه لا صدمة ولا وجع ولا شماتة. أميرة هزت رأسها لي بهدوء شديد، ابتسامة خفيفة جداً ورصينة على وشها.. ابتسامة واحد بيسلّم على ماضي انتهى تماماً وأصبح مالوش أي وجود أو تأثير. وأنا هزيت رأسي ليها بنفس الهدوء، ورجعت بظهري خطوة لورا عشان أسيبها في عالمها الجديد.
ابني الصغير شد إيدي وقاللي: “بابا.. يلا عشان ماما مستنيانا في العربية.”
بصيت لولدي، ومسكت إيده بقوة، وابتسمت له بجد من قلبي. خرجت من السوبر ماركت وأنا حاسس لأول مرة من سنين إن الصدر اللي كان مقفول بالغل والندم اتفتح أخيرًا للتنفس. أميرة عاشت حياتها ونجحت ولقيت الأمان اللي تستاهله، وأنا اتعلمت الدرس وعشت الحاضر اللي ربنا كتبهولي.
وصلت العربية، فتحت الباب وقعدت جنب مراتي اللي بصتلي وابتسمت بسعادة، حطيت إيدي في إيدها وأنا عارف إن الرحلة الصعبة دي، رغم كل الوجع اللي فيها، كانت هي السبب الوحيد اللي خلاني أعرف أكون راجل حقيقي للست اللي بتشاركني حياتي النهاردة.
دورنا العربية ومشينا في وسط زحمة الشوارع. صوت الولاد في الكنبة اللي ورا وهما بيتخانقوا على اللعب ومرحهم كان مالي العربية دفء وحياة. بصيت لمراتي وهي بتلتفت بضحكة دافية تراضيهم وتقسم اللعب بينهم بالعدل، وبشرتها اللي كانت يوم من الأيام صفراء وبتموت من الوجع، النهاردة نضرة ومالية وشها الصحة والرضا.





