عنذما يحب القلب الاخير

والتفت نحو والده للمرة الأخيرة، عيناه تحملان خيبة أمل أعمق من أي غضب:
“من دلوقتي، أنا مش هحضر أي اجتماع عائلي، ومش هدخل المستشفى لحد ما تحسم موقفك مرة واحدة وللأبد..”

خرج سامر ممسكاً يد سمر، يقودها نحو غرفتهما لتجهيز حقيبتهما، تاركين وراءهما صمتًا ثقيلًا يخيم على الفيلا بأكملها.

—

وقفت نسرين تنظر لزوجها بعينين مليئتين بخيبة أمل عميقة، صمتت لدقائق طويلة قبل أن تتكلم بصوت هادئ لكنه أشد قسوة من أي صراخ:

“أنا عشت معاك عمر يا فؤاد، دافعت عنك في كل موقف، صدقت كل كلمة قلتها. بس النهاردة، فهمت حاجة كنت خايفة أشوفها: إنك مستعد تضحي بسعادة ابنك الوحيد، وتكدب عليا وعلى نفسك، عشان صفقة تجارية وكبرياء أعمى.”

“نسرين، أرجوكي، أفهمي بقى وجهة نظري…”

“مش هسمع مبررات منك تاني.” قاطعته وهي تتجه نحو الدرج بخطى ثابتة رغم دموعها. “أنا هروح أقعد عند أختي لحد ما تقرر إنت فعلاً مين أهم عندك: الفلوس، ولا عيلتك.”

صعدت نسرين لتحزم حقيبة صغيرة، تاركة فؤاد وحيدًا تمامًا في مكتبه.
جلس على كرسيه، رأسه بين يديه، يدرك للمرة الأولى حجم الخراب الذي تسبب فيه بيديه، وأنه، في سعيه للحفاظ على “مكانة العائلة”، كان على وشك أن يخسر العائلة بأكملها.

## الفصل الثالث والعشرون

مرّت ثلاثة أيام على تلك المواجهة العاصفة، ثلاثة أيام عاش فيها فؤاد وحيدًا تمامًا في الفيلا الواسعة التي بدت فجأة أكبر وأبرد من أي وقت مضى. نسرين لم تعد من عند أختها بعد، وسامر لم يتصل، وحتى الخدم لاحظوا صمتًا ثقيلاً يخيم على المكان.

جلس فؤاد في مكتبه لساعات طويلة كل يوم، يراجع في عقله كل قرار اتخذه خلال الأشهر الماضية.

في اليوم الرابع، اتصل فؤاد بالدكتور عادل بنفسه، بصوت حازم لم يترك مجالاً للنقاش:

“يا عادل، أنا آسف، بس لازم نقفل موضوع تزويج سامر ومنى نهائيًا. الموضوع خلاص، وأنا كنت غلطان إني فتحته أصلاً من غير ما آخد رأي ابني من البداية.”

تفاجأ عادل بالحسم المفاجئ: “فؤاد، إنت متأكد؟ كنا اتفقنا…”

“متأكد تمامًا.” قاطعه بثبات. “ابني له حياته وقريب هيجيله طفل، وأنا كنت هخسره بسبب غبائي. مش هكرر الغلطة دي.”

أنهى المكالمة بشعور غريب من الراحة الممزوجة بالندم العميق رغم معرفة عواقبها مع عادل.

—

في ذلك المساء، قرر فؤاد أن يذهب بنفسه إلى بيت أخت نسرين، رغم أنه لم يفعل ذلك منذ سنوات طويلة، معتمدًا دائمًا على أن تأتي الأمور إليه. وقف أمام الباب طويلاً قبل أن يطرقه، متجمعًا لأول لقاء يخشى منه فعلاً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *