روايه للكاتب محمد نور

— منذ متى تعلمين؟
— عن “مدار”؟
— عن كل شيء!
— منذ وقت كافٍ.
— كم تحديداً؟
— منذ يناير.
لأول مرة، انكسرت هيبته:
— يناير؟!
— نعم.
— ولكن…
— ولكنني كنتُ أتناول العشاء معك بانتظام، وأسألك عن يومك، وأستمع إليك تشتكي من التعب، وأراك تتلقى رسائل رانيا وتقلب هاتفك على وجهه.
أشاحت رانيا بنظرها، وسأل طارق:
— لماذا؟
دهشتني إجابته؛ لا من فحواها، بل من التعجب فيها:
— لماذا ماذا؟
— لماذا لم تقولي شيئاً؟
نظرتُ إليه لثوانٍ:
— لأنني أردتُ أن أعرف ما إذا كانت هناك نقطة تستطيع عندها التوقف بنفسك.
تغيرت ملامحه:
— سارة…
— أعطيتُك فرصاً. عندما حولت العقد الأول إلى “مدار”، ظننت أنك قد تحاول تصحيح الأمر. وعندما أقررت العقد الثاني، علمتُ أنه لم يكن خطأً. وعندما بدأت تخفي الوثائق عن الإدارة المالية، فهمتُ أنك اتخذت قرارك.
ثم نظرتُ إلى رانيا:
— وعندما بدأت هي بدخول منزلنا ظناً منها أنني في سفر…
تجمدت رانيا في مكانها. هذه المرة، كان الصمت مختلفاً؛ لم يكن صمت شركات، بل صمت خيانة شائكة.
همس طارق:
— سارة… هذا لا علاقة له بالشركة.
— بل له كل العلاقة بالشركة —كان صوتي هادئاً— لأنك ارتكبت الخطأ الذي يقع فيه رجال كثيرون عندما يظنون ألا أحد يطالهم؛ خلطت بين زواجك، ومنصبك، وأموال الشركة وكأنها أشياء تملكها أنت… بينما أنت لا تملك أي شيء منها.
لم يجرؤ أحد على المقاطعة.
أخذت رانيا نفساً:
— لا تملكين أدلة على ما تلمحين إليه!
نظرتُ إليها:
— عنكِ وعن طارق؟
— نعم!
— لا أحتاج لأدلة لأحصل على الطلاق. لكن، إن كنتِ تقلقين على سمعتكِ، فالأدلة بحوزتي.
أغمض طارق عينيه، فنظرت إليه رانيا بذهول متزايد:
— كنتَ تعلم؟ كنتَ تعلم أن لديها أدلة؟
— رانيا… اصمتي!
غيرت تلك الكلمة شيئاً بينهما؛ المرأة التي أمرت الأمن بإخراجي قبل عشرين دقيقة نظرت إليه بزيج من الخوف والغضب.
واصلتُ كلامي:
— وللعلم، لستُ من بدأ هذا التحقيق لأنني اكتشفت أن زوجي يخونني، فذلك أسهل بكثير… بل بدأته لأن هناك سبعة وأربعين مليون دولار مفقودة.
شهقت المفتشة المالية:
— سبعة وأربعون مليونا؟!
— سبعة وأربعون مليوناً وثلاثمائة ألف، بخصم الالتزامات المعلقة.
التفتت المفتشة إلى طارق:
— التقارير الربع سنوية لم تظهر أي انحراف بهذا الحجم!
— لأنه تم تجزئته؛ عقود استشارية، خدمات لوجستية، إيجارات معدات، غرامات مفتعلة… عشرات العمليات الصغيرة ظاهرياً.





