روايه للكاتب محمد نور

ولهذا السبب… انتظرت.
نظر إليّ طارق لثوانٍ معدودة، ثم قال بكل جحود:
— استكملوا الإجراءات وفقاً للنظام الداخلي للشركة.
كان هذا كل شيء. بلا توضيح، ولا دفاع.
ابتسمت رانيا وكأنها حسمت المعركة لصالحها:
— سمعتِ بنفسك. إن كان لديكِ ذرّة من كرامة، فاخرجي قبل أن أستدعي رجال الأمن.
— الأمن؟
وقفت على قدمي. ظن الجميع أنني سأتجه نحو الباب، لكنني خطوت في الاتجاه المعاكس… نحو رأس الطاولة.
خطوة… خطوتان… ثلاث.
تلاشت ابتسامة رانيا تماماً:
— سارة! ماذا تظنين نفسكِ فاعلة؟
وقفت على بعد خطوات قليلة منها:
— أردتِ تطبيق النظام الداخلي، أليس كذلك؟
— ليس لديكِ أي سلطة لمساءلتي!
نظرتُ إليها بثبات:
— ليس لدي سلطة؟
أخرجتُ هاتفي، وأرسلتُ رسالة واحدة: “فعّلوا المادة 17. الآن.”
في اللحظة نفسها، وصل إشعار إلى المستشار القانوني للشركة. شحب وجهه وتغيرت ملامحه تماماً. تجمد طارق في مكانه، بينما واصلت رانيا الإشارة إلى الباب دون أن تفهم شيئاً.
حينها، ابتسمتُ وقلت:
— رانيا… قبل أن تستدعي الأمن لإخراجي، ربما يجدر بكِ سؤال زوجي عن أمر واحد.
لتفتُّ إلى طارق:
— أخبرْها… أخبرْها من يملك 51.8% من أسهم وحقوق التصويت في “مجموعة القمة القابضة”.
سقط القلم من يد المحامي، ولأول مرة منذ بداية الاجتماع… تملك الرعبُ قلب طارق.
الجزء الثاني:
ساد الصمتُ القاعةَ لعدة ثوانٍ، وبدا وكأن الهواء قد سُحب فجأة من قاعة الاجتماعات بالدور الثاني والخمسين.
كانت رانيا أول من أبدى رد فعل؛ أطلقت ضحكة قصيرة، اقتضابها شديد، وتصنّعها مفضوح:
— 51.8%؟ عن ماذا تتحدثين؟
لم أرفع عينَيَّ عن طارق:
— اسأليه هو.
التفتت الوجوه مجدداً نحو المدير التنفيذي. زوجي لا يزال جالساً في الصدارة، لكن شيباً من الهيبة قد فارقه؛ الهيبة التي كانت تلفّه كالدرع قبل دقائق تهرأت، ولو قليلاً. لكني أعرفه أكثر من أي شخص، رأيتُ انقباض فكّه، وتوتّر يده اليمنى وهي تقبض ببطء على حافة الملف، والأهم من ذلك… أنه لم ينكر كلامي.
لاحظت رانيا ذلك أيضاً:
— طارق…
كانت المرة الأولى طوال الصباح التي تناديه باسمه المجرد أمام الجميع. خطأ صغير، لكنه كشف المستور. تبادل بعض المديرين نظرات سريعة؛ كان بإمكاني الاستماع لقرقعة قطع الأحجية وهي تتركب في أذهانهم.
ستة أشهر… ستة أشهر ورانيا تلازم طارق كظله؛ تدخل معه الاجتماعات المغلقة، وتسافر لحضور مؤتمرات لم تكن تتطلب وجود نائبة رئيس، وتخرج من مكتبه في ساعات يكون المبنى فيها قد خلا من الموظفين. كانت هناك شائعات دائماً، لكني لم أسأل؛ ليس جهلاً، بل لأعرف إلى أي مدى قد يصلان.





