روايه لروماني مكرم 2

حاول حسام التحدث، محاولاً التلعثم بكلمات دفاعية، لكن محمود تقدم خطوة واحدة ووضع يده على صدر حسام ودفعه للخلف بقوة:
* “ولا كلمة يا خاين! الكلام الجاي بيننا هيكون في النيابة وقاعة المحكمة.. وأقسم بالله هخليك تلف حوالين نفسك عشان تشم ريحة ابنك مش تشوفه!”
خرجت مريم من مبنى الطب الشرعي مرفوعة الرأس، تمشي بخطوات ثابتة رغم ألم الجراحة، والشمس تشرق على وجهها وعلى وجه طفلها الصغير ياسين. كانت تعلم أن هناك جولات قادمة في المحاكم، وأن المعركة القانونية لاسترداد حقوقها وتلقين حسام الدرس الذي يستحقه قد بدأت للتو، لكنها لم تعد خائفة. لقد كشفت المؤامرة، وأنقذت جسدها، وحمت شرف ابنه، وأثبتت لجميع أن قوة الأمومة والكرامة أعتى من كل حيل الجشع والغدر.
خرجت مريم من بوابة الطب الشرعي والهواء النقي يلفح وجهها، يشوبُه شعور بالانتصار المبدئي، لكنه كان انتصاراً مغلفاً بمرارة المعركة. كان ياسين نائماً بين يديها في طمأنينة ملائكية، لا يدري أن اسمه ودمه كانا على محك الشبهات قبل ساعات قليلة. اتجهت مع محمود إلى السيارة، وحين استقرت في المقعد الخلفي، انهارت القوة الصورية التي تجملت بها أمام حسام، وسالت دموعها حارة على وجنتي طفلها.
كان محمود يراقبها من مرآة السيارة الأمامية، ونبرة الغضب في صوته تحولت إلى حنان أخوي صادق:
* “بتعيطي ليه يا مريم؟ ده النهاردة يوم عزك.. الحقيقة ظهرت، والدكتور فاروق قفل في وشه كل أبواب المكر، والنيابة هتقلِب السحر على الساحر.”
ردت مريم وهي تمسح دموعها بطرف شالها:
* “مش بعيط ضعف يا محمود.. أنا بعيط على السلسلة اللي كنت فاكراها أمان وبقت قيد. بعيط على سنة من عمري عيشتها مع بني آدم مريض بالجشع، مستعد ينهي أنوثتي، ويرمي شرفي، ويرفض ابنه، عشان شويه عقارات وفلوس وصية! أنا خايفة من اللي جاي.. خايفة من شره، اللي يعمل كده مش هيسكت يا محمود.”
شدد محمود قبضته على عجلة القيادة، وقال بنبرة جازمة:
* “اللي جاي ده بتاعي أنا والمحامين.. أنتِ مهمتك الوحيدة دلوقتي تقومي بالسلامة وتربي ياسين. حسام دخل جحر النمل ورجله اتزنقت، واللي يفتكر إن القانون والعائلات لعبة، هيدفع التمن غالي.”
في هذه الأثناء، كان حسام يقف أمام المبنى كالتمثال المسخ، وحيداً بعد أن انسحب محاميه الخاص معلناً تنحيه عن القضية تجنباً للورط في تهمة التزوير والبلاغ الكاذب. كان حسام يشعر بالرعب يسري في أوصاله؛ فالتقرير الذي قدمه الدكتور فاروق للطب الشرعي لم يكن مجرد ورقة، بل كان قنبلة موقوتة ستحوله من “مجني عليه يدعي الخيانة” إلى “متهم بجريمة بلاغ كاذب وتشهير وتزوير”.





