المرأه التي اختفت بقلم محمد نور ١

 

جلستُ ببطء.

في الخارج لم تكن هناك قصور، ولا سيارات سوداء تنتظر عند المدخل، ولا حراس شخصيون.

فقط أشجار، وقرى صغيرة، وطرق تائهة بين التلال.

ولأول مرة منذ خمس سنوات، لم يكن أحد يعرف على وجه اليحديد أين أنا.

كان ينبغي لهذه الفكرة أن تخيفني، لكنني بدلاً من ذلك، تنفستُ براحة أكبر.

 

في الثامنة صباحًا، طرق أحدهم باب المقصورة برفق.

تشنجتُ.

— خدمة الإفطار.

لم أرد فورًا.

— سيدة مريم، هل أنتِ مستيقظة؟

 

سيدة مريم.

ذلك الاسم هدّأ من روعي.

فتحتُ الباب.

كانت هناك فتاة صغيرة تدفع عربة عليها قهوة وخبز وبيض.

— صباح الخير.

— صباح الخير.

— سنصل إلى أسوان في حدود الساعة الحادية عشرة.

سكبت لي القهوة ومضت في طريقها.

 

لم يحدث شيء.

لم يحاول أحد الاقتحام.

لم يسأل أحد عن عمر.

ولم ينظر إليّ أحد وكأنني زوجة واحد من أنفذ الرجال في البلاد.

 

كان ذلك أغرب مما تخيلت.

فخلال خمس سنوات، كففتُ عن كون إنسانة مستقلة.

تحولتُ إلى مجرد امتداد لعائلة الكيلاني.

السيدة الكيلاني.

زوجة عمر الكيلاني.

أم سارة الكيلاني.

المضيفة في مؤسسة الكيلاني.

اختفى اسمي الحقيقي من دعوات الحفلات، وعناوين الأخبار، وقوائم الضيوف، وحتى من الأحادیث اليومية في البيت.

 

أخذتُ القهوة بجوار النافذة.

كانت ساخنة جدًا، فاحترق لساني.

وضحكت.

ضحكتُ وحدي وأنا أنظر إلى الجبال.

كان الأمر ساخرًا، لكن حتى شيء بسيط كأن يحترق لساني بقهوة اخترتُها بنفسي بدا وكأنه ملكي.

 

في الحادية عشرة وتدقيقة اثنتي عشرة، وصل القطار إلى أسوان.

كانت المحطة صغيرة. صغيرة جدًا كما ظننت.

عندما نزلتُ، رأيتُ عائلات تتعانق، وحمالين، ومسنين يجرون أمتعتهم، وطلابًا ينظرون في هواتفهم.

لم يكن أحد ينتظرني.

ولأول مرة، أصابني ذلك بالدوار.

 

حتى تلك اللحظة، كان الهروب عبارة عن سلسلة من التعليمات:

الفندق.

الغرفة 620.

السيارة الرمادية.

المدخل الخاص.

القطار.

لكن الآن، لم تكن هناك أي خطوة تالية.

 

وقفتُ بجوار حقيبتي عدة دقائق.

اقتربت مني امرأة في الستينيات من عمرها، تحمل سلة بها أزهار بيضاء، وقفت أمامي وقالت:

— يا ابنتي، إذا استمررتِ في النظر إلى الأرض هكذا، فستستخرجين بترولًا!

رفعتُ رأسي، فابتسمت هي وقالت:

— أول مرة في أسوان؟

— نعم.

— هذا واضح.

— إلى هذه الدرجة؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *