المرأه التي اختفت بقلم محمد نور ١

تجمّدتُ في مكاني.
نظرت صفاء إلى التلفزيون، ثم نظرت إليّ، ثم إلى الشاشة مجددًا.
— حسناً…
نزعت نظارتها:
— هذا أمر أثير للاهتمام بحق.
لم أستطع الكلام.
— مريم…
— هذا ليس اسمي.
— كنتُ أظن ذلك.
— صفاء…
أطفأت التلفزيون وسألتني:
— هل كان ذلك الرجل يضربكِ؟
— لا.
— يهددكِ؟
— ليس بالضبط.
— يحبسكِ؟
تأخرتُ في الرد كثيرًا.
فهمت صفاء وقالت:
— ليس بالمفتاح إذن.
همستُ:
— هناك أقفاص بلا أقفال أيضًا.
شعرتُ بعينيّ تمتلئان بالدموع:
— كان بإمكاني الخروج.
— لكنكِ لم تكتبي الخروج.
وهززتُ رأسي نفياً.
— لأن ذلك كان ممنوعًا؟
— لأن كل شيء كان مرتبًا بحيث لا أضطر أبدًا لفعل ذلك.
جلست صفاء أمامي، ولأول مرة منذ عرفتُها بدت جادة تمامًا:
— احكي لي.
تعرفتُ على عمر عندما كنتُ في الرابعة والعشرين.
كنتُ قد وصلتُ للتو إلى القاهرة بمنحة لدراسة ترميم النباتات.
كانت أمي قد توفيت قبل أشهر، ولم تكن لدي عائلة قريبة.
كنتُ أعمل في المساء في محل نباتات صغير.
دخل عمر يومًا يطلب زهرة أوركيد بيضاء لجدته.
لم يكن يفهم شيئًا في النباتات، واشترى الأغلى.
قلتُ له إنها ستسقط في غضون أسبوعين إذا اعتنى بها كما تقول البطاقة.
نظر إليّ بتفاجؤ:
— هل تقولين إن المحل يبيع تعليمات خاطئة؟
— أقول إن التعليمات مصممة لتعود وتشتري غيرها.
كانت تلك أول مرة أراه يضحك فيها.
عاد بعد أسبوع، ثم بعد أسبوع آخر، ثم بدأ ينتظرني حتى ينتهي عملي.
كنتُ أعرف من هو، الجميع يعرف ذلك.
كان عمر الكيلاني يظهر في مجلات المال والأعمال قبل أن يبلغ الثلاثين.
كان بارعًا، غامضًا، ومخيفًا للبعض.
ومعي، في البداية، كان لطيفًا.
كان يأخذني إلى مطاعم صغيرة لأنني أكرُه الأماكن الفخمة.
تعلم كيف يصنع القهوة بنفسه رغم أن لديه من يخدمه.
كان يجلس صامتًا وأنا أنقل النباتات من أصيص إلى آخر.
خلال ستة أشهر ظننتُ أنني وجدتُ شيئًا استثنائيًا.
وربما كنتُ قد وجدتُه بالفعل، وكانت تلك هي المشكلة.
ثم جاء الزواج، ثم البيت، ثم سارة.
وببطء، بدأت الحياة تتشكل حولي وتحاصرني.
في البداية اختفت المتاعب الصغيرة:
سائق يأخذني إلى كل مكان.
مساعد يقضي مشترياتي.
سكرتيرة تجيب على الدعوات.
أطباء يأتون إلى البيت.
الملابس تظهر في خزانتي.
الزهور تصل مقصوصة وجاهزة.
كل رفاهية كانت تبدو وكأنها حب.





