المرأه التي اختفت بقلم محمد نور ١

اشتريتُ دفترًا بغلاف أخضر.
في الليلة الأولى كتبتُ جملة واحدة:
“اليوم لم يقرر أحد أي شيء نيابة عني.”
وفي اليوم التالي:
“اليوم اخترتُ الشاي بدلاً من القهوة.”
وفي الثالث:
“اليوم ضللتُ الطريق ووجدتُ العودة بمفردي.”
بدت كأنها انتصارات صغيرة، لكنها بالنسبة لي كانت ثورات.
بعد أسبوع، وجدتني “أمينة” أصلح أحواض النباتات في الحديقة الخلفية.
— تفهمين في النباتات؟
— أمي كان لديها مشتل.
خرجت الإجابة سريعة جدًا.
سكتت أمينة ثم قالت:
— وأنتِ؟
— كبرتُ هناك.
— إذن تعرفين كيف تعملين.
— أظن ذلك.
— لا تظني.
رمت إليّ بقفازات وقالت:
— سيدة المشتل في أول الشارع تحتاج إلى مساعدة.
بعد ساعتين كنتُ أقف أمام مشتل صغير يُدعى “الزهرة والنيل”.
صاحبته كانت نفس المرأة التي أهدتني الياسمين في المحطة.
عرفتني على الفور:
— المرأة التي تبحث عن المخارج!
— مريم.
لم يعد نطق الاسم المزيف يؤلمني.
— صفاء.
صافحتني وقالت:
— أمينة تقول إنكِ تفهمين في الزهور.
— القليل.
— هل تميزين بين الياسمين البلدي والفل؟
— نعم.
— والورد البلدي والفل البلدي؟
— نعم.
— تستطيعين الاستيقاظ في الخامسة صباحًا؟
ترددتُ:
— نعم.
— تم تعيينكِ.
— بهذه السهولة؟
— يا ابنتي، عمري واحد وسبعون عامًا، لم يعد لدي وقت لمقابلات عمل من ثلاث جولات!
وهكذا حصلتُ على أول عمل لي منذ خمس سنوات.
كان الراتب بسيطًا، والعمل مجهدًا، وكنتُ سعيدة.
عادت يداي تمتليء بالخدوش الصغيرة.
تعلمتُ كيف أغلف باقات الورد، وكيف أقود سيارة نقل صغيرة قديمة خاصة بصفاء، وكيف أتحدث مع عرائس متوترين، وأرامل صامتين، ومراهقين يشترون أول زهرة لمن يحبون.
كل زبون كان يحمل قصة، وكل قصة كانت تذكرني بأن العالم أكبر بكثير من بيت الكيلاني.
مرّت سبعة عشر يومًا.
ثم عشرون.
ثم ثلاثة وعشرون.
وبدأتُ أرتكب أخطر خطأ على الإطلاق: أن أصدق أن “عمر” قد تقبّل رحيلي.
لم أكن أعلم أنه في نفس ليلة هروبي، دخل بيت الكيلاني في حالة طوارئ.
كان عمر قد عاد قبل الموعد لأن الطائرة الخاصة تعرضت لخلل فني وأُلغي اجتماعه.
في الثالثة والسابعة عشرة دقيقة فجرًا دخل غرفة النوم.
رأى خزانتي فارغة، وخاتمي، وأصيص الياسمين.
وسأل أين أنا.
عندما كرر الخادم رسالتي، أمر عمر بالبحث عني.
خلال الساعات الأربع التالية، تتبع فرقه خطواتي:





