المرأه التي اختفت بقلم محمد نور ١

— السائحون ينظرون إلى المباني، أما من يهربون فينظرون إلى مخارج الطوارئ.

 

شعرتُ بقشعريرة.

وفطنت المرأة لذلك فقالت:

— لن أسألكِ ممن تهربين.

ثم أهدتني غصن ياسمين وقالت:

— سأقول لكِ شيئًا واحدًا فقط: هنا، لا أحد يصل بالمصادفة.

 

أخذتُ الزهرة وسألتها:

— بكم هذه؟

— بالنسبة لكِ، بلا مقابل.

— لا أستطيع قبولها مجانًا.

— إذن، في يوم ما اهدي زهرة لشخص آخر.

ومضت.

 

بقيتُ أنظر إلى زهرة الياسمين.

كانت شبه مطابقة للتي قطفتُها من نافذة بيت الكيلاني.

ضغطتُ على ساقها بين أصابعي.

ربما كان ذلك إشارة، أو ربما أردتُ فقط أن أصدق ذلك.

 

وجدتُ سكنًا في بنسيون صغير قريب من النيل.

لم يكن به رخام، ولا خدمة خاصة.

كانت الغرفة تتسع بصعوبة لسرير وخزانة صغيرة.

دهان السقف كان متساقطًا، والدش يستغرق دقائق حتى يخرج منه ماء دافئ.

وأحببتُ المكان على الفور.

 

كانت صاحبة المكان تُدعى “أمينة”.

عمرها أربعة وستون عامًا، بشعر فضي، وعادة مزعجة في طرح الأسئلة دون انتظار الإجابة.

— متزوجة؟

— مطلقة.

— أطفال؟

تجمّدتُ في مكاني:

— بنت واحدة.

رأت أمينة شيئًا في وجهي ولم تضغط عليّ.

— عمل؟

— لا أملك.

— مال؟

— يكفي لعدة أسابيع.

— مشاكل؟

نظرتُ إليها، فرفعت يديها وقالت:

— لا داعي للرد، وجهكِ أجاب بالفعل.

ثم أشارت إلى السلم:

— الغرفة رقم 12. الإفطار متاح، لكن إذا أردتِ شيئًا خاصًا فاشتريه بنفسك، فلستُ أدير فندقًا للمليارديرات.

 

كِدتُ أشرق بصلاتي وقلت:

— ممتاز.

— وشيء آخر.

— نعم؟

— هنا الجميع ينظف ما يوسخه.

ابتسمتُ:

— ممتاز أيضًا.

عقدت أمينة حاجبيها وقالت:

— يقينا أنتِ تهربين من ناس أغنياء!

 

كانت الأيام الأولى غريبة.

تعلمتُ كيف أشتري تذكرتي بنفسي.

أخطأتُ في اتجاه الحافلة مرتين.

وفي أحد الصباحات وجدتُ نفسي على بعد ثمانية كيلومترات من المكان الذي أردته.

اكتشفتُ أن هاتفي القديم لا تعمل عليه عدة تطبيقات.

اشتريتُ هاتفا بسيطًا من محل مستعمل.

شرح لي البائع، وهو شاب في التاسعة عشرة، لمدة نصف ساعة كيفية استخدام الهاتف.

عندما انتهى، سألني:

— يا خالة، هل كنتِ تعيشين في كهف؟

— شيء من هذا القبيل.

فضحك وضحكتُ معه.

 

بدأتُ أمشي كثيرًا.

على كورنيش النيل، وفي الأسواق، وفي شوارع يعلق فيها الناس غسيلهم على الشرفات.

كنتُ أقف أمام المخابز فقط لأن رائحتها طيبة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *