تمن التضحية بقلم انجي الخطيب 1

لما قفلت السكة مع الأستاذ مدحت المحامي، الدنيا كانت بتلف بيا. الشارع اللي كبرت فيه، “بين السرايات”، كان هادي والناس داخلة خارجة، محدش حاسس بالنار اللي بتغلي جوايا. المتين جنيه اللي أبويا رماهم في إيدي زي الشحاتين كانوا لسه في جيب الجاكيت، بيحرقوا فخدي كأنهم جمرة نار.
قعدت على قهوة بلدي في أول الشارع، طلبت شاي كشري تقيل عشان أجمع شتات نفسي. القهوجي، واد اسمه صابر كان صاحبي زمان، بص لي بحيرة وخوف، سلم عليا من بعيد لبعيد كأنه خايف “ريحة السجن” تهب عليه هو كمان، زي ما مرات أخويا قالت. في اللحظة دي، الوجع اتقلب لـ “غل”. الغل ده هو الوقود اللي هيخليني أدوس على الكل وميتحركش فيا عِرق رحمة واحد.
ساعة زمن، ولقيت عربية الأستاذ مدحت وقفت قدام القهوة. نزل منها ببدلته الكحلي وشنطته الجلد، وشه كان شايل علامات الأسى والغضب في نفس الوقت. مدحت مش مجرد محامي، ده كان زميل دراستي وعارف البير وغطاه.
قعد قصادي، وبص في عيني وقال: “أنا حذرتك يا عصام. حذرتك ليلتها وقلت لك أهلك هيبيعوك عند أول ناصية. بس أنت ركبت دماغك وقلت: لحمي ودمي.”
نزلت كوباية الشاي من إيدي ورزعتها على الترابيزة: “خلاص يا مدحت.. اللي فات مات، والجدع اللي كان بيحمي بضهره مات جوه الحجز. أنا عايز حقي.. وحق السنتين اللي ضاعوا من عمري في ليمان طرة والناس بتقول عليا قاتل محترس.”
مدحت فتح شنطته، طلع ملف أزرق، وقال بنبرة صوت واطية بس حاسمة: “التسجيلات الصوتية اللي أنت بعتهالي على الواتساب ليلة الحادثة، لما أبوك وأمك كانوا بيستعطفوك ومرات أخوك بتصرخ وتقول ‘الحقونا الراجل مات تحت العجل وأخوك هيضيع’.. لسه معايا، ومتأمنة على فلاشة وفي “سحابة” الإيميل. والشهادة الطبية لمرات أخوك اللي بتثبت إنها دخلت المستشفى ليلتها من الصدمة، وتقليع المحضر الأصلي.. كله جاهز. بس أنت عارف ده معناه إيه؟”
بصيت له وابتسمت ابتسامة باردة: “معناه إيه يا متر؟”
> “معناه إننا مش بس هنعيد محاكمة.. إحنا هنعمل ق*ضية ‘تزوير في محضر رسمي’، و’تضليل العدالة’، و’شهادة زور’ لأبوك وأمك. وأخوك طارق ومراته شيرين هيتجروا من قفاهم بتهمة الق*تل الخطأ والهروب. العيلة كلها هتدخل المفرمة يا عصام.. مفيش حد هينفد.”
وقفت على رجلي، وربعت إيدي: “وهو ده المطلوب إثباته يا متر. يلا بينا على مكتب النائب العام.. أو على القسم اللي فتح المحضر. أنا مش هبات ليلتي دي في بنسيون وهما نايمين في سريري.”

