ظنها دمية بين ايديه الاخير

الفصل السادس عشر
*****

وقف عزيز مدهوشًا مما يسمعه.. أيريد الرحيل بعيدًا عنه، أوجد في الرحيل راحة له.. ولكن أين هو من كل ذلك
– فكرة السفر ملغيه يا سيف.. تسافر وتسبني
اشاح عزيز عيناه عنه حتى لا يرى مسحة الحزن العميقة التي احتلت مقلتيه
– أرجوك يا عمي.. اسمعني وافهمني.. أنت عارف أنا مقدرش ابعد عنك لكن أنا محتاج ابعد..

التف عزيز نحوه ، فعن أي ابتعاد يُريد.. هو يفعل كل شئ من أجله.. من الذي سيدير املاكه معه.. من سيترك له كل شئ حتى يُخفف عنه ويستريح عندما يحين الوقت
– محتاج تبعد.. الأزمة واتخطيتها خلاص.. فوقت لنفسك ورجعت سيف ابن اخويا اللي أنا ربيته وضيعت عمري عشانه .. أنا عارف إن الازمة كانت صعبه عليك لكن أنت كنت محتاج درس عشان تفوق

اطرق سيف رأسه في خزي، فبعدما كان عمه في قمة سعادته لنجاحه وتخرجه بعد أن تلقى الخبر من أحد معارفه.., ها هو يضيع فرحته
– ولا كلمه مش عايز اسمع كلمه تاني منك

…..
تعلقت عيناها بالبوابة التي اغلقها الحارس خلفها..تشعر بأن ساقيها لا تقوى على حملها، فأين هى زينب.. أخبرتها أن تنتظرها.. لقد أتت كما وعدتها

ترجلت من السيارة التي ذهبت بها لتجلبها وقد كانت في غاية سعادتها لا تفكر في شئ إلا وجودها معها، تُخبئ لها حكايات كثيرة عاشتها في هذا المنزل
تلاشت اللهفة التي ارتسمت فوق ملامح العم سعيد، ينظر إليها وهى تقترب منه يسألها في خشية من سماع الجواب
– فين زينب يا ليلى..

…..
أسرعت في النهوض من فوق المقعد الجالسة عليه تنظر للعم سعيد بلهفة، وسرعان ما اختفت لهفتها وهى تراه يطرق رأسه
– معرفتش أقوله يا بنتِ.. سيف بيه مقرر يسافر بره والبيه مضايق.. مقدرتش أشيله هم فوق همه

عادت ليلى لمقعدها وقد ضاع املها
– يا ترى روحتي فين يا زينب.. بيقولوا خرجت من الملجأ من شهر مع علياء وصابرين ونهى.. حتى ابله كريمة اترفدت من شغلها وراحت محافظة تانيه تعيش فيها.. أنا خايفه عليها أوي يا عم سعيد

دمعت عينين العم سعيد في شفقة على حالهن يُحاول طمئنتها
– مش البنات قالولك هناك إن اخدتهم ست تشغلهم عندها في مصنع معلبات

أسرعت ليلى في تحريك رأسها إليه، فاردف العم سعيد بعدما جلس قبالتها
– عزيز بيه بس يهدى وليكي عليا اكلمه يدور عليها..

….
رفعت نادين عيناها بخضه تنظر نحو سلمى التي اختطفت منها شريحة البيتزا, تزفر أنفاسها بقوة حتى لا تصرخ بوجهها، لقد اعتادت على أفعالها الطفوليه ولكن لم يكن عليها إلا تحملها حتى تزفر بصالح الذي بالتأكيد سيراها يومًا تصلح لتكون سيدة هذا المنزل، ولم يكن عليها إلا الصبر لترى نتيجة ما خططت له والدتها

التهمت سلمى تلك القطعه وانتظرت أن تصيح بها حتى تشكو لصالح ولكن خابت فعلتها
فتراجعت السيدة عديلة التي كانت تُطالع الأمر بخيبة أيضًا بعد فشل جميع خططها لإخراج هذه الفتاه من البيت
همهمت السيدة وهى تعود بأدراجها للمطبخ حانقة
– عقرب زي أمها.. بس على مين..أنا وراكي يا بنت بثينة لحد ما يطردك من هنا
ارتسمت ابتسامة حملت المكر فوق ملامح نادين، فمنذ أن أتت هذا البيت من اسبوعين وهى تجيد الدور في هدوء.. تلعب مع الصغير الذي بالفعل أحبها وتُجاري تلك الطفله التي إلى اليوم لا تُصدق أن رجل كصالح الدمنهوري تزوجها وأنجب منها طفلًا
حملت نادين علبة البيتزا تعطيها لها

– خديها كلها يا سلمى أنا شبعت خلاص

اشاحت سلمي عيناها عنها رافضة أن تأخذ منها العلبة ومازالت تلوك تلك القطعة بفمها
– أنتِ ليه بتكرهيني يا سلمى.. أنا عايزه أكون صاحبتك أنتِ و رامي
– رامي بتاعي أنا.. أنتِ مش هتعرفي تاخدي مني
هتفت بها سلمى قبل أن تفر راكضة من أمامها، فتلاشت تلك الابتسامة الهادئة المرتسمة فوق ملامحها متمتمه بمقت
– ما نشوف أخرتها إيه يا بثينه هانم

…..
تنهد سيف بحزن وهو ينظر لملامح ليلى الحزينة، فلم يعتدوا إلا على روحها البشوشة
– بكره هروح عنوان الدار واسأل بنفسي يا ليلى وندور على الست ديه
ارتفع سعال العم سعيد، فانتفضت من مكانها.. تنظر إليه في قلق فكيف لها أن تنسى توصيات الطبيب..
انسابت دموعها تشعر بالذنب.. فبسبب قلقها على زينب.. تناست إنه هو من يعمل بدلًا عنها
– أنا كويس يا ليلى.. لسا فيا عمر متخافش.. وهجوزك زي ما وعدتك
حنانه الذي يغمرها به منذ أن أتت هذا المنزل عوضها عن كل شعور قاسي عاشته بالميتم
دمعت عينين سيف هو الأخر تأثرًا, يسمع كلماتها الأسفة عن سبب انخراطها بالحزن وإهمالها له طول اليوم.. فحتى مواعيد أدويته تناستها
– أنا مش عارف يعني يوم ما أنجح في حياتي صافي واتخرج من الجامعه.. يبقى الاحتفال بيا بالشكل ده.. أكيد أنا والنحس صحاب

….
وقفت تمسح فوق شريحة الخبز بتلك الجبنة الكريمية ترفعها نحو شفتيها تقضمها بشرود، فلم يتبقى على نهاية العقد إلا أسبوعًا واحدًا، وعدها إنه سيمنحها حياة جديده بعيدة عن مشيرة بعدما صارت ترضيه بالطريقة التي يرغبها

احتضن خصرها يحذبها إليه يقضم اذنها قبل أن يسألها بصوت رخيم
– برضوه مبتسمعيش الكلام يا زينب.. طول ما أنا موجود متقوميش من جانبي
– كنت جعانه
بصوت خافت خرج صوتها, تشعر بشفتيه التي اتخذت طريقهم نحو عنقها، فارخت اهدابها مسترخية بين ذراعيه
– وأنا كمان جعان اوي
استدارت إليه تمنحه من تلك الشريحة التي قضمت منها قضمه صغيرة تُقربها من فمه
التهم ما بيدها تحت نظراتها الناعسة
– بتضحي بالسندوتش بتاعك وأنتِ جعانه
– هعمل واحد تاني
ابتسم بتخمة صار يشعر بها جوارها، يرفع كفيه نحو ملامح وجهها الرقيق يُداعب خديها ثم شفتيها بأنامله
– أنا اللي أكلت السندوتش بتاعك يبقى لازم اعملك بداله
التقط قبلة خاطفة من ثغرها وابتعد عنها ينظر حوله قبل أن يسير نحو البراد يفتحه
عيناها تعلقت به وهو يعد لها عدة شرائح من الخبر ممسوحه بأشكال عدة من الجبن والمربى التي صار يعلم عشقها لها

خانته شفتيه فابتسم وهو يراها تلتهم ما اعده لها وهو يُجلسها فوق تلك الطاوله الصغيرة الموضوعة منتصف المطبخ مستمتعًا بالنظر إليها

قطرات من المربى انسابت من فمها تسبل اهدابها بخجل من نظراته العابثة متسائله
– تاكل معايا

وكأنه كان ينتظرها أن تقدم له هذا العرض السخي .. وهو كان بالفعل جائع، جائع لشئ أخر.. شئ صارت تعطيه له برضى وخضوع اراده

وبعد وقت كان يبتعد عنها بوجوم غير مصدقًا أنه مازال لم يروي ظمأه منها
أراد الهروب يلتقط قميصه من فوق ارضيه الغرفة ولكن صوتها الهامس الراجي جعله يقف مكانه يغمض عيناه بقوة يُصارع ذلك الصوت الذي يُخبره بضرورة رحيلها عنه
– ممكن انام في حضنك لحد الصبح.. أرجوك

…..
وضعت السيدة نعمة اكواب الشاي تنظر لذلك الجالس بترحيب وابتسامة واسعة
– نورت البيت يا عزيز بيه، لو كنت اعرف زيارتك لينا كنت عملت الحلو كله ليك
ابتسم عزيز وهو يلتقط كوب الشاي ويرتشف منه
– أكتر من كده يا حجه نعمه..أنا عارف إني مقصر معاكم في السؤال.. لكن ديما بوصل ليكم سلامي مع دعاء

اتسعت ابتسامة الحجة نعمه وهى تستمع لاسم أبنتها على لسانه, تتمنى لو يحصل ما تتمنى وتكون زيارته اليوم ليتقدم لخطبة أبنتها
– بيوصل يا عزيز بيه.. دعاء مش على لسانها غير سيرتك الطيبه
ارتفع حاجب الحج عبدالرحمن بمقت، فهو يعلم ما ترجو إليه زوجته
– حجة نعمه..خلينا نعرف نتكلم كلمتين

غادرت الحجة نعمه تغلق الباب خلفها وترفع يدها بدعاء ليكون هذا الرجل من نصيب أبنتها

ربت الحج عبدالرحمن فوق ساق عزيز متمتمًا بمحبه خالصه
– شكلك عايز مشوره مني يا عزيز وعندك كلام كتير..
وعزيز كان لا يرتاح إلا مع هذا الرجل

أستمع الحج عبدالرحمن له وهو يُحرك سبحته حتى افرغ له كل شئ داخله
– عايز تعاقب سيف برحيله عنك .. إنك تتجوز وتشوف حياتك زي ما هو عايز يبعد عنك ولا عشان أنت عايزها يا عزيز

بحرج اطرق عزيز رأسه، ليلى لم تعد تترك أحلامه خاصه بعد ذلك اليوم الذي رأها فيها بالمسبح.. شعرها المسترسل فوق ظهرها فلم يعد شئ خافي عنه..
– خايف أظلمها.. الفرق بينا كبير يا حج
– وماله فرق السن يا بني.. ما دام هتصونها وهتعوضها عن الحرمان اللي عاشته في الميتم.. أهم حاجه بس رضاها وموفقتها

ربت الحج عبدالرحمن فوق ساقه ثانية بعدما وجده صمت عن الحديث
– أعرض عليها الجواز يا عزيز.. عشان تعاقب سيف زي ما أنت عايز

والحج عبدالرحمن كان يعرف كيف يدفعه نحو زواج يراه راغب به بشدة من تلك الصغيرة اليتيمه التي أواها في بيته

…..
– يعني صاحبتها اختفت، محدش يعرف عنها حاجه
اماء عزيز برأسه للعم سعيد الذي اردف بحسرة
– يعني الست اللي اخدتها.. ست محدش يعرف طريقها
تنهد عزيز بثقل يبحث عن طريقه يُخبر بها العم سعيد عن عرضه الذي سيكون فرصة لبقاء ليلى في منزله

– عزيز بيه أنت غيرت رأيك في وجودها هنا، أنا مقدرش اسيبها تعيش لوحدها بعد ما صاحبتها اختفت.. أنا تعبت يا بني خلاص وليلى بتساعدني وأنت وعدتها انها هتفضل هنا .. بلاش يا بني تحرمها من عطفك.. ليلى بتتمنى لو تكون عمها بحق وحقيقي

سقطت الكلمه على مسمع عزيز كالخنجر ، فهو ليس بعمها.. ولن يكون عم لها
– أنا مش عمها يا عم سعيد ولا عمري هكون عمها.. أنا هتجوز ليلى وده الحل الوحيد لوجودها هنا

تجمدت ملامح العم سعيد من الصدمة ينظر نحو عزيز الذي غادر غرفة مكتبه بملامح واجمه

التمعت عينين يزيد بعبث بعدما التقطها بالمصادفة تدلف أحد المتاجر ، اتبعها غير مصدقًا إنها تدلف لمتجر خاص بملابس العرائس..
– بكام يا أنسه
تسألت فريدة عن سعره الذي صدمها فتركته مكانه تبحث عن شئ أخر
طالع يزيد ما تركته بنظرات لمع بهم الخبث ينظر للفتاه الواقفه أن تأخذه مشيرًا لها بالصمت
انتقت أخيرًا ما لفت نظرها وكان بسعر معقول
– هاخده.. ممكن تلفي ليا

انفلتت شهقتها وهى ترى الواقف بالمتجر ينظر لأثواب النوم وينتقي منها
– يزيد بيه
تعلقت عينين يزيد بها بعدما أعطى الثوب الذي اختاره للفتاه العامله
– فريدة
تمتم بها وكأنه تفاجأ بوجودها في متجر كهذا
– اخر مكان افكر اقابلك فيه.. مش معقول تكوني طلعتي من البنات وبتعجبك الحاجات اللي زي ديه

استفزتها كلماته الساخرة وقد طفح الكيل بها، فهو لا يتهاون من جرحها بعبارات تهين أنوثتها
– ومكنش زي البنات ليه، انا زي البنات يا يزيد بيه.. بس اظاهر البنات اللي تعرفهم وضعهم حاجه تانيه
التقطت الحقيبة التي وضعت به العامله الثوب واسرعت في مغادرة المتجر تخفي دموعها التي لا تعرف سبب لنزولها مؤخرًا مع كل إهانة يُقدمها لها
– وقح
تمتمت بها وهى تزيل الدموع العالقة بأهدابها
اقتربت العاملة منه تعطيه ما اشتراه ولم يكن يتخيل إلا هى من ترتديهم.. ترتديهم له وحده
….
ارتسمت ابتسامة خبيثة فوق ملامح صابرين التي سقطت فوق الأريكة جوار صبري تلهث أنفاسها بعد رقصتها على تلك النغمة الشرقية
التهمها صبري بنظرات جائعه يمدّ برابطه عنقه حول عنقها ويجتذبها إليه
– عدلتي مزاجي يا صابرين
مطت صابرين شفتيها بأغراء تزيح يديه عنها
– مشيرة بس هى اللى بتعرف تعدل مزاجك
نهض صبري خلفها يجتذبها نحوه يُحرك يديه فوق جسدها بفتنه
– اه لو مشيرة سمعت اسمها حاف منك
– هتطردني يعني.. مش مهم أنا خلاص بقيت فاهمه الكار
تعالت ضحكات صبري، فلم تعد القطط في قفصها
– محدش يقدر يطردك طول ما أنا موجود يا فرسه.. أنتِ خلاص بقيتي بتاعت صبري
التمعت عينين صابرين بزهو، فها هى تخطو اول خطواتها..ستكون هى مشيرة أخرى.. مشيرة أصغر وأجمل
التقطت ثوبها بعدما فرغ صبري منها، تنظر له بقرف وهو غافي بعمق ويصدر شخيرًا
– لازم تدفعي الثمن عشان توصلي يا صابرين

….
نهض سيف غير مصدقًا ما يُخبره به عمه، فعن أي زواج وإنجاب يتحدث وعن أي عروس يُخبره
– ليلى.. إزاي
احتقنت ملامح عزيز، فلما تتحول ملامحهم للصدمه عندما يُخبرهم عن العروس
– معقول اختارت ليلى.. عشان تعاقبني يا عمي بسبب بعدي عنك
– انت اللي اختارت يا سيف.. متسافرش وأنا هصرف نظرعن موضوع الجواز

تمتم بها عزيز مُشيحًا عيناه عنه، يهرب من تلك النظرات التي ربما تفضحه
– ما دام ده أختيارك أنا هكون سعيد يا عمي.. طول عمري بتمنى أشوفك سعيد في حياتك

وسرعان ما كان يندفع سيف لحضنه، هو بالفعل سعيد من قراره.. وها هى ليلى حلمها يتحقق بالمكوث في هذا المنزل ولن يكون عمه عزيز ب عم لها بل سيكون بشكل اخر

ابتسامة عابثة ارتسمت فوق ملامح سيف، يتمنى أن يرى ملامح ليلى عندما تعلم برغبة عمه بالزواج منها وأن دعائها قد استجاب بزوج وليس عم

….
توقفت ليلى مبهوتة الملامح وهى تستمع لما يُخبرها به العم سعيد
– ده السبيل الوحيد لوجودك هنا يا بنتِ، عزيز بيه راجل محترم ومقتدر وهيتقي الله فيكِ
والجواب الذي استشفه العم سعيد من نظراتها، كان عزيز ينتظر سماعه منها بنفسه حتى لا تأتي يومًا وتندم على موافقتها
– موافقة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *