ظنها دمية بين ايديه الاخير

الفصل الثاني عشر
***

بملامح جامدة وقف عزيز أمام شرفة مكتبه شارد الذهن بمشاعر متضاربة، انتبه على دلوف سكرتيرته ثم ندائها له تحمل بين يديها تلك المجلدات الخاصة بأثاث هذا العام
– قسم التصميم بعت المجلدات يا فندم
بصوت أجش تمتم عزيز دون أن تحيد عيناه عن الطريق
– حطيهم على المكتب يا دعاء
استجابت لطلبه فاتجهت نحو سطح المكتب تضعهم عليه، استدارت بجسدها لتُغادر الغرفة لكنها توقفت مكانها على أثر صوته المتسائل عن أحوال والدها
– اخبار الحج عبدالرحمن إيه
اطرقت دعاء رأسها بعدما وجدته اتجه نحو مقعده وجلس فوقه ثم التقط المجلدات ليلقي بنظرة خاطفة
– بخير يا عزيز بيه
– بلغي سلامي ليه
اماءت دعاء برأسها وغادرت الغرفة عائدة لعملها
اطبق عزيز فوق جفنيه بأرهاق، فصداع الرأس لا يتركه هذه الأيام بسبب قلة النوم
….
ابتسم العم سعيد وهو يراها تلتقط ما اعدته من مشروبات لزملاء السيد سيف، فبعد غد لديهم مادة صعبة وقد اجتمعوا هذا اليوم أيضًا هنا
– براحه يا ليلى على مهلك يا بنتِ
أسرعت في حمل الصنية تغادر المطبخ هاتفه
– ورايا تلخيص لازم انقله ليهم ..اصلهم بقوا يحبوا خطي يا عم سعيد
رمقها العم سعيد بابتسامة حانية، هى سعيدة لأنها تتشارك معهم وقتهم
– ربنا يسعدك يا بنتِ
تمتم بها العم سعيد وعاد ينشغل بعمله، فكم هى غريبة الحياة، تُعلمه يومًا بعد يوم حكمة فيما يحدث دون ترتيب.

ابتسمت نيرة بابتسامة مصطنعه تنظر نحو هديل التي طالعتها بنظرات غير راضية من اقترابها نحو ليلى تضع احد الكتب أمامها
– ممكن تدوري على إجابة الاسئله ديه يا ليلى.. شيفاكي ذكية والأسئلة موجوده في الكتاب لكن زي ما أنتِ شايفه إحنا مشغولين في المذاكره
طالعتها ليلى بابتسامة متسعة تلتقط منها الكتاب
– حاضر.. أنتِ بس قوليلي على الصفح اللي ممكن الاقي فيها الأجوبة
طبقت نيرة بعض الصفحات وعادت لتعطيها الكتاب ثانية.. فعادت ليلى لمهامها بنشاط تنقل لهم ما يطلبوا منها وقد جلست على مقربة منهم
– أنتِ بتشتغلي هنا يا ليلى ولا زي ما سيف بيقولنا أنك قريبته.. اصل سيف متواضع اوي وده اللي الواحد بدء يكتشفه فيه
التمعت عينين نيرة بخبث وقد التقطت الجواب من توترها
– أنا..
– الشغل مش عيب يا ليلى.. أنت مكملتيش تعليمك بعد الثانويه العامه ليه
تمتمت بها نيرة تزيح خصلاتها المنسدله للخلف ترمقها بحقد , تتسأل داخلها كيف لفتاة فقيرة مثلها تتمتع بهذا الجمال بالتأكيد ستوقع سيف بشباكها
– الكلام اخدنا ونسيت إن مافيش وقت, والمادة تقيله .. ادعيلنا يا ليلى بيقولوا دعوة الفقراء بتستجاب بسرعة

عادت نيرة لمكانها وقد التقطت هديل نظرات ليلى الباهته نحوهم بعدما كانت تحمل عيناها نظرة أخرى تعبر عن سعادة صاحبتها.

لم ينتبه سيف على شئ لانشغاله مع أحد زملائه وقد أخذ يشرح له أحد القوانين
– بتبصيلي كده ليه، أنا بس كان عندي فضول اعرف البنت ديه بتشتغل هنا ولا قريبة سيف فعلا..
– البنت قامت يا نيره، شكل كلامك وجعها.. حرام عليكي
امتعضت ملامح نيرة من سذاجة تلك الجالسة جوارها وعطفها على الآخرين.. فالتعطف على نفسها أولًا ولولا تلك القرابة التي تربطهم وتفوقها لما اختارتها أن تكون صديقة لها.
غشت الدموع عينين ليلى, فاخذت تزيحها بيديها.. هى كانت تتمنى أن تعيش الحياة مثلهم.. هى ليست بفقيرة ولكن عمها كان نذلًا تخلى عنها حتى يرضي زوجته والقاها بالملجأ دون أن يعذبه ضميره فحتى لو كان أبيها ليس بشقيق من نفس الأب ولكن في نهاية شقيقه..
تقهقرت للخلف بعدما انفلتت من شفتيها شهقة عالية بعدما اصطدمت بآخر من ارادت أن يراها وهى تبكي
– هنفضل نخبط في بعض كتير
تمتم بها عزيز بلطف عجيب جعلها تنظر إليه في دهشة تتسأل هل يمزح أم يسخر منها..
اندهش عزيز من حاله ولكنه بالفعل يُريد الاعتذار منها على كلماته القاسية، فضميره يؤنبه.. هى يتيمة نشأت بملجأ أيتام فهل يزيد عليها من قسوة طباعه.. يكفيها ما عاشته
انتبه على دموعها العالقة بأهدابها وتلك النظرة المستكينة التي وقفت تُطالعه بها
– أنتِ كنتِ بتعيطي يا ليلى
تسأل وهو يُلقي بنظرة خاطفة نحو الجهة التي أتت منها حيث يجلس سيف واصدقائه وكان ذاهب إليهم ليطمئن بعينيه أنهم بالفعل يهتمون بمذاكرتهم رغم ثقته بهؤلاء الشباب فهم من عائله ذو سمعه

فركت ليلى عيناها بقوة حتى تُريه إنها لا تبكي وسرعان ما كانت تبتعد عنه هاربة من نظراته
استدار عزيز بجسده نحوها يقطب حاجبيه بنظرة أخفى خلفها ذلك الشعور الذي بدء يغزو مخيلته.

تعلقت عينين نيرة بذلك القادم نحوهم تُرفرف أهدابها بأعجاب بات واضح تشكر الحظ الذي جعل عمر خطيبها لا ينضم إليهم اليوم
– أخباركم إيه يا شباب
تمتم بها عزيز بوجه بشوش ينظر نحوهم، فانهض سيف علي الفور واتبعه اصدقائه..فاشار إليهم بالعوده لما يفعلوه هاتفًا بعدما رأي الحرج ارتسم فوق ملامحهم
– انا مش جاي اعطلكم.. كملوا مذكرتكم وياريت كل واحد فيكم يبلغ اهله أنكم هتتغدوا معايا أنا وسيف النهاردة
وتابع حديثه بعدما تعلقت عيناه بعينين سيف الذي ابتسم مرحبًا باقتراحه
– مش عايز اعتراض مفروض
ابتعد عزيز عنهم بعدما القى بحديثه ولم يسمح لهم بالأعتراض فاسرع سيف خلفه.

تأوهت نيرة بخفوت بعدما وكظتها هديل حتى تنتبه على نظراتها، ف محمود صديق عمر يُركز أنظاره معها
– خدي بالك يا نيرة.. نظراتك للراجل وكأنك معجبه بي
– ما أنا فعلًا معجبه بي.. أنتِ مش شايفه شكله وهيئته بذمتك ده عنده أربعين سنه.. اللي يشوفه مع سيف يقول اخوه الكبير مش عمه

تمتمت بها نيرة في هيام بعدما عادت نظراتها تتعلق به وقد ابتعد هو وسيف عنهم فاردفت بخفوت
– كنت هعرف مامي عليه.. وأنتِ عارفه قدرات مامي.. لكن بصراحه عجبني مش هقدر اشوفه جوزها

اشاحت هديل عيناها عنها لا تُصدق أنها تفكر بتلك الأفكار وتنظر لعم سيف بتلك النظرة.. فماذا عن حبها لعمر
التوت شفتي نيرة بامتعاض بعدما اختفى تمامًا عن انظارها
….
تراجع يزيد بخطواته نحوها بعدما غادر عامل البوفيه، كادت ان تلتقط مشروبها الساخن الذي وضعه لها العامل.. ولكن يده سبقتها فالتقطه مرتشفًا منه بضعة رشفات متلذذًا
– اطلبي ليكي غيره يا فريدة، هدخل أنا بقى لصالح
القى نحوها بنظرة عابثة بعدما نهضت من فوق مقعدها تمدّ يدها نحوه تُطالبه بمشروبها
– الكابتشينو بتاعي
صدحت ضحكات يزيد، فرفع صالح عيناه عن الأوراق التي أمامه مستاء من أفعال صديقه الصبيانية
– مش هتبطل تصرفاتك ديه مع فريدة
– بحب تعبيرات وشها وهى مضايقه..
تراجع يزيد عن استكمال بقية حديثه، يضع العقد الذي معه فوق سطح مكتبه بعدما رأي الوجوم مرتسم فوق ملامحه
– جهزت العقد كالمعتاد… صحيح ديه الجوازة الكام يا صالح
تمتم بها يزيد وهو يحك أسفل ذقنه وسرعان ما كان يبتلع بقية مزاحه وهو يرى نظرات صالح القاتمة بعدما التقط منه العقد.

غادر يزيد الغرفة بعدما دعا له بمشاكسة أن تكون الزيجة الأخيرة له ثم أغلق الباب خلفه وهو يضحك على تلك النظرات الشرسة التي رمقه بها.

حدق بالمشروب الذي معه ثم بالمشروب الأخر الذي وضع بالتأكيد للتو فوق سطح مكتبها ومدّت يدها تلتقطه وترتشف منه متجاهلة وجوده منشغلة بمطالعتها لجهاز الحاسوب أمامها..

اختطف منها الكوب الساخن بعدما وضعته للحظة فوق سطح مكتبها فرفع حاجبيه يتلاعب بهم ثم رفع الكوب نحو شفتيه يرتشف منه من جهة شفتيها ووضع لها الأخر
– اصله برد وانا مبحبش الكابتشينو إلا وهو سخن
وقفت مصدومة من أفعاله، فهو لا يتوقف عن مضايقتها مهما اشتكت لمديرها أو أظهرت تجاهلها له وكأن التجاهل يزيده عنادًا
كتمت حنقها ثم زفرت أنفاسها, فما عساها أن تفعل مع هذا الرجل

….
التقط منها العم سعيد اطباق الطعام منتبهًا على عدم رغبتها بالخروج ورؤية أصدقاء السيد سيف وهي تقوم بدور الخادمة..
العم سعيد كان خير من يشعر بها حتى انها متأكد أن هناك شئ حدث لها اليوم وهى في الحديقه معهم، ف ليلى كانت شديدة الحماس لكل شئ تتشاركه معهم حتى لو كان دورها مقتصر على خدمتهم ومطالعتهم من بعيد
– جهزي بقية الأطباق وانا هاجي اخدهم يا ليلى وبعدها حضري لينا اكلنا عمك سعيد جاع وعايز ياخد علاجه
– اقعد أنت ياعم سعيد وأنا اكمل بدالك
عاطفتها غلبت ذلك الشعور القاسي الذي وضعته تلك الفتاة داخلها، فداعبت ابتسامة حانية شفتي العم سعيد
– هنقعد نتخانق زي كل يوم، اسمعي الكلام يا ليلى
انفلتت ضحكة خافتة من شفتي ليلى وهى تراه يُحاول رسم الجدية فوق ملامحه وإخراج صوته بخشونه حتى لا تُجادله
ابتلعت طعامها دون شهية وهى تستمع لصوت الضحكات العالية بالخارج
– البيه سعادته في سعادة سيف..
انتبه العم سعيد على امتلاء طبقها، ينظر للمعلقة التي تقربها من فمها بنظرات شاردة
– مالك يا ليلى
– سيف بيه محظوظ أوي يا عم سعيد، ياريتني كنت مكانه
خرج الحديث منها بتلقائية دون قصد تطرق رأسها نحو طبقها في خجل مما نطقته بعدما وضعت معلقتها جانبًا
– الرضى بالمقسوم عباده يا ليلى، أنا عارف أنك لسا صغيره ونفسك تعيشي زيهم لكن يا بنتِ لو كلنا كنا اغنياء مين فين هيشتغل عند التاني، ربك ليه حكمه في أعطاء رزقه وكله واخد الأربعة وعشرين قراط بتوعه

اسبلت ليلى جفنيها نادمة على ما تفوهت به، هى لم تكن تقصد من حديثها شئ سئ
ربت العم سعيد فوق كفها، يعلم أن حديثه كان كبير عليها ولكنه يعدها لحياتها القادمة… مثلهم سيعيشون يركضون خلف لقمة العيش
– كلامي كبير عليكي يا بنتِ
– أنا بحبك أوي يا عم سعيد..
دمعت عينين ليلى واسرعت ناهضة من فوق مقعدها تقبل رأسه..

وقف عزيز مكانه يُطالع المشهد ينظر إليها وهى تُعطيه الدواء وكأس الماء
لم يكن يقصد سماع حديثهم، فهو جاء ليخبر العم سعيد أن يحضر له قهوته ويحضر لهم العصائر ويتجه بهم نحو الحديقة.

تنحنح عزيز يُجلي حنجرته في حرج، فانتبهت ليلى على وجوده.. وتراجعت بضعة خطوات واستدارت بجسدها تضع كأس الماء الفارغ بالحوض وقد اسرع العم سعيد بالنهوض من فوق المقعد
– الشباب محتاجين حاجة يا بني، الأكل عجبهم
ابتسم عزيز واقترب منه يربت فوق كتفه، ورغمًا عنه كانت عيناه تتعلق بها
– تسلم ايدك يا عم سعيد.. زمانهم خلصوا أكل.. ياريت تعملي قهوتي وتحضر ليهم العصاير
– حاضر يا بيه.. قهوتك اجيبها المكتب ولا معاهم يا بيه
تعلقت عيناه ب ليلى التي انشغلت في جلب بعض الأغراض من البراد، كان سيجلس معهم قليلًا ليشرب قهوته ولكنه عدل عن قراره
– طلعهالي اوضتي فوق يا عم سعيد
توقف العم سعيد حائرًا يشعر ببعض الأرهاق في ساقيه
– ليلى اطلعي يا بنتِ بالقهوة للبيه.. مش قادر اطلع السلم.. عمك سعيد شكله كبر خلاص

تركت ليلى الطبق الذي بيدها قبل أن تفرغ منه بقايا الطعام واتجهت نحوه تلتقط منه القهوة رغم عدم رغبتها بالصعود لأعلى وسماع كلماته القاسية
– حاضر يا عم سعيد.. اقعد ارتاح أنت وأنا هعمل كل حاجه
تحركت بصنية القهوة تحت نظرات العم سعيد وقد شرع في سكب العصائر في كؤوسها

بخطوات متردده اقتربت من غرفته التي لم تدخلها من قبل تشعر بالحيرة وهى تنظر لفنجان القهوة، في النهاية عزمت أمرها واطرقت الباب بطرقات خافته,
اتاها صوته ولكنه يأمر العم سعيد بالدلوف، ازدردت لعابها في توتر وقبضت فوق مقبض الباب تفتحه ببطء .

توقفت مكانها تبحث عن مكان تضع فيها القهوة دون أن تنظر يمينًا ويسارًا
– اعذرني يا راجل يا طيب ديما تعبك معايا
تمتم بها عزيز وهو يغادر المرحاض ويُجفف شعره من قطرات الماء، حدقت به ليلى فلأول مره تراه بهذه الهيئة
رفع المنشفة عن وجهه وضاقت عيناه في تعجب من صمت العم سعيد
ازدادت تقطيبة حاجبيه ينظر إليها يستعجب صعودها بقهوته ، أسرعت ليلى في وضع صنية القهوة تتجاهل تحديقه بها تُخبره عن سبب صعودها بقهوته
– عم سعيد رجله وجعاه شويه.. فطلعت أنا بدالي
لم تنتظر أن تسأله إذا كان يرغب بشئ أخر، فاتجهت نحو باب الغرفة ومن سوء حظها تعرقلت قدمها بطرف الزَربيّة المفترشه بها أرضية الغرفة , فانبطحت أرضًا تحت نظراته الثاقبة لها , نظرات كانت تحمل جوع صاحبها لمشاعر ظنها لم تعد داخله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *