— «تخيّلوا... دفع الحاج توفيق ثلاثين مليونًا كاملة، فقط ليجد رجلًا يقبل الزواج منها! وحتى بهذا المبلغ، لا أظن أن أحدًا يحسد العريس.» همس بها أحد المدعوين، لكنها لم تبقَ همسة طويلًا. ففي اللحظة التي ظهرت فيها مريم عند مدخل قاعة الجامع الكبير، انتقلت الكلمات بين الصفوف كالنار في الهشيم. في لحظة واحدة، التفتت إليها مئات العيون. لم يأتِ معظم الحاضرين ليشهدوا زفافًا، بل حضروا ليتأكدوا من الشائعة التي ملأت مجالس الأثرياء طوال الأسابيع الماضية: الابنة التي عجزت عن العثور على من يقبل بها... اشترى لها والدها عريسًا بثلاثين مليونًا. كانت مريم في الثامنة والعشرين من عمرها. جسدها الممتلئ، والبقعة الداكنة التي تمتد على جانب من وجهها، وخفة شعرها عند الصدع الأيمن، كانت كافية ليجد الناس فيها مادة لا تنتهي للسخرية، دون أن يعرف أحد أن ذلك كله كان أثر علاجٍ طويل فرضه عليها والدها، وأصر على أن يبقى سرًا لا يخرج من جدران المنزل. منذ طفولتها، لم تسمع عن نفسها سوى كلمات جارحة. «مشوهة...» «عار العائلة...» «لعنة أصابت بيت توفيق...» والأقسى من ذلك أن والدها لم يحاول إسكات أحد. بل كان يكتفي أحيانًا بابتسامة باردة، وكأنه يستمتع بأن يصدق الجميع تلك الصورة عنها. لهذا السبب، سارت مريم نحو المنصة بلا طرحة تخفي وجهها، ولا محاولة للهروب من نظرات الناس. إن كانوا قد حضروا ليتأملوا ملامحها... فلتكن الحقيقة أمامهم كاملة. أما عند المنصة، فكان يقف فارس... آخر أبناء واحدة من أكبر عائلات المقاولات في البلاد. قبل أشهر فقط، كان اسمه يرتبط بالثراء والنفوذ، لكن كل شيء انهار بعد وفاة والده واتهامه باختلاس ملايين الجنيهات. جُمّدت حسابات العائلة، وأصبحت والدته مهددة بفقدان منزلها، بينما اضطرت شقيقته إلى ترك الجامعة بعد توقف كل مصادر الدخل. وفي أكثر لحظات حياته يأسًا... ظهر توفيق بعرض لم يكن يجرؤ أحد على رفضه. سيسدد الدين كاملًا... وسيتولى تكاليف الدفاع القانوني لإعادة الاعتبار لاسم العائلة... وسيمنع طرد والدته من منزلها... لكن مقابل شرط واحد لا يقبل النقاش... أن يتزوج مريم... ويبقى زوجًا لها عامًا كاملًا. حين التقيا لأول مرة، لم تحاول مريم أن تمنح اللقاء أي مظهر رومانسي. نظرت إليه مباشرة وقالت: — «يقول أبي إنك رجل انتهى أمره... ومستعد لفعل أي شيء مقابل المال.» ابتسم فارس ابتسامة باهتة قبل أن يجيب: — «أما أبي، فكان يقول قبل وفاته إن والدك أخطر رجل قابله في حياته.» ثبتت عيناها عليه للحظات، ثم قالت: — «ولا بد أنهم أخبروك أيضًا أنني الابنة القبيحة... التي لا تصلح لشيء.» ظل ينظر إليها دون أن يشيح ببصره، ثم قال بهدوء: — «قالوا لي إنك مجنونة... عنيفة... ولا يستطيع أحد احتمال العيش معك. والغريب أن كل من وصفك بذلك كانوا يعملون لدى والدك.» لأول مرة منذ سنوات... سمعت شخصًا يشكك في الرواية، بدل أن يصدقها فورًا. لم يمنحها ذلك ثقة كاملة، لكنه زرع بداخلها سؤالًا لم تجرؤ على طرحه من قبل: ماذا لو كانت كل حياتها كذبة صنعها والدها؟ قبل أحد عشر عامًا، سقطت والدتها فاطمة من شرفة المنزل، وأعلن توفيق أن الحادث وقع بسبب تأثير المهدئات. لكن مريم لم تصدق تلك الرواية يومًا. وبعد وفاة أمها، أصبحت حياتها أشبه بالسجن. كان والدها ينقلها من مصحة خاصة إلى أخرى، ويدفع الأموال للحصول على تقارير تؤكد أنها تعاني اضطرابات عقلية، بينما كانت الأدوية التي تُجبر على تناولها تُفقدها وعيها أيامًا كاملة، حتى كادت هي نفسها تصدق أنها مريضة. وفي ليلة الزفاف... وأثناء تفتيشها صندوق الخياطة القديم الذي كانت والدتها تحتفظ به، عثرت على مفتاح صغير للغاية. عرفته من اللحظة الأولى. كان المفتاح الذي يفتح الخزانة المعدنية المخفية خلف مكتب والدها... الخزانة التي لم يسمح لأحد بالاقتراب منها طوال سنوات. وقبل أن تتمكن من إخفائه، اقتحم رجلان غرفتها دون استئذان. أمسكا بذراعيها بعنف، وفتشا أغراضها قطعة قطعة، وكأنهما يبحثان عن شيء محدد. لكن مريم كانت أسرع منهما... فقد أخفت المفتاح داخل بطانة فستان الزفاف، قبل أن تمتد إليه أيديهما. انتهى الحفل وسط عدسات المصورين وابتسامات مزيفة. اقترب توفيق من ابنته واحتضنها أمام الجميع. في تلك اللحظة، شعر فارس بجسدها يتصلب بين ذراعي والدها، وكأنها لا تحتضن أباها... بل تقف أمام جلادها. وبعد ساعات... داخل جناح العروسين... شعرت مريم بألم حاد، وحين نظرت إلى فستانها، اكتشفت بقعة دم صغيرة تتسع ببطء. كان المفتاح الحاد قد اخترق بطانة الفستان، وانغرس في جلدها طوال الحفل. وفي الخارج، طرق فارس الباب برفق. — «لن أدخل إلا إذا سمحتِ لي... أردت فقط أن أطمئن عليك.» بعد دقائق، فتحت الباب. كان الفستان مفكوكًا من الخلف، وملامحها شاحبة على نحو أربكه. نظرت إليه وقالت بصوت هادئ، لكنه كان يحمل سنوات من الألم: — «قبل أن تقترب مني... أريدك أن ترى شيئًا.» ما إن التفتت حتى تجمد فارس في مكانه. ندوب عميقة تحيط بمعصميها... آثار واضحة حول كاحليها... وخطوط باهتة تمتد عبر ظهرها. لم تكن جروح سقوط... بل آثار قيود... وأحزمة تثبيت. خرج السؤال من بين شفتيه بصعوبة: — «من الذي فعل بك هذا؟» أجابت دون أن ترمش: — «أبي... والأطباء الذين دفع لهم المال ليقنعوا الجميع أن ما يحدث كان من أجل علاجي.» وفي اللحظة نفسها... اهتز باب الجناح بعنف. حاول شخص في الخارج فتحه بالقوة. قبضت مريم على المفتاح الملطخ بدمها، بينما اتجهت أنظار فارس نحو الباب... وفي ثانية واحدة فقط، أدرك الحقيقة التي لم يكن يتخيلها. لم يكن توفيق قد اشترى عريسًا لابنته... بل كان يجهز المتهم المثالي للجري\مة التي أوشك على تنفيذها. خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد **الجزء الثاني** دفع **فارس** أريكة ضخمة وسد بها الباب ثم أطفأ الأنوار. ومن الممر، تردد صوت **توفيق**: — «**مريم**، افتحي الباب. الطبيب بحاجة إلى فحصكِ.» تراجعت هي غريزياً إلى الخلف. لاحظ **فارس** خوفها، فوقف حائلاً بينها وبين المدخل قائلاً بصوت صارم: — «لن تستقبل ابنتك أي طبيب هذا المساء.» ساد الصمت لبضع ثوانٍ قبل أن يأتي رد **توفيق**: — «لا تتدخل فيما لا يعنيك يا فتى... تذكر من الذي يدفع ديونك.» — «وتذكر أنت أنني أصبح زوجها الآن. وإن حاولت الدخول بالقوة، فسأتصل بالشرطة.» أطلق **توفيق** ضحكة ساخرة جافة: — «ما زلت تعتقد أن بوسعك الاتصال بأحد في هذه الدولة دون أن يصلني الخبر أولاً؟ كم أنت ساذج!» ثم ابتعدت خطواته. لم ينم **فارس** طوال الليل، بل ظل جالساً بالقرب من الباب يحرس المكان، بينما استراحت **مريم** وقد لفّت كتفيها بدثار دافئ. في صباح اليوم التالي، تصرف **توفيق** وكأن شيئاً لم يكن. تناول الفطور مع الزوجين الجديدين، وتحدث عن الاستثمارات، وأعلن أن الدفعة الأولى من ديون عائلة **فارس** ستُسدد فور توقيع **مريم** على نقل ملكية بعض الأسهم التي ورثتها عن والدتها **فاطمة**. أكد ذلك شكوكهما؛ فلم يكن الزواج نهاية الصفقة، بل كان الوسيلة للوصول إلى ثروة **مريم**. في عصر ذلك اليوم، استعان **فارس** بطبيبة مستقلة لفحص جروح **مريم**. كشف التشخيص عن كسور قديمة عولجت بشكل خاطئ، وآثار تثبيت طويل الأمد، بالإضافة إلى بقايا مادة مخدرة في دمها. لم تكن **مريم** قد تناولت أي دواء بمحض إرادتها. تذكرت قائلة: — «كوب الشوكولاتة الليلة الماضية... أصر أبي على أن أشربه قبل أن أصعد إلى الغرفة.» أرسل **فارس** الكوب إلى المختبر، وتبين أنه يحتوي على جرعة كافية لإبقائها فاقدة للوعي لعدة ساعات. تمتم **فارس** بغضب: — «لقد خطط هذا الرجل لكل شيء! أراد أن يبدو الأمر وكأنكِ تحت تأثير المخدر أو غائبة عن الوعي.» ردت **مريم**: — «ليس هذا فحسب... بل أرادك أن تكون معي عندما يحدث أمرٌ ما.» خلال الأيام التالية، التزما التظاهر بالانصياع. ظهرا أمام **توفيق** كزوجين متباعدين ومستسلمين، بينما كانا في الخفاء يجمعان الأدلة، ويستبدلون أفراد الطاقم المقربين منه، ويراجعون كل وثيقة تتعلق بتركة **فاطمة**. ودون قصد منهما، بدأ كل منهما يكتشف الآخر؛ عرفت **مريم** أن **فارس** يطهو ببراعة سيئة، لكنه يعد القهوة كأنها طقس مقدس. بينما علم هو أنها تدير في الخفاء جمعية تعاونية لحرفيات تقاليد التطريز المحلي، اللاتي كان والدها يحاول سلب ورشهم. وعندما اقترح أحد المستشارين إلباسها ألواناً داكنة "لإخفاء قوامها الممتلئ"، كاد **فارس** أن يطرده بالقوة، لكن **مريم** أوقفته وقالت للمستشار بثبات: — «لستُ بحاجة لمن يدافع عني وكأنني عاجزة... أنت مطرود. وإذا تحدثت عن جسد امرأة مرة أخرى وكأنه عيب أرقام، فلن تعمل في أي من شركاتي مجدداً.» ابتسم **فارس** وقال: «علم ونُفذ.» لم يكن حباً بعد... بل كان شيئاً لم تتلقَّه **مريم** طوال حياتها دون أن تضطر للرجاء لأجله: الاحترام. كان مفتاح **فاطمة** يفتح خزنة ملفات أمر **توفيق** بنقلها إلى مستودع قديم. وفي إحدى الليالي، تسلل **مريم** و**فارس** إلى المستودع أثناء نوم الجميع. داخل الخزانة، وجدا كشوفات حسابات، ورسائل موثقة، وتسجيلات، ودفتراً صغيراً كتبت فيه الأم **فاطمة** مصاريف منزلية تبدو غير منطقية: * كلمة "شموع" كانت تعني: رشاوى. * كلمة "دواء" كانت تعني: عقاقير لتهدئة وشل حركة. * كلمة "بستنة" كانت تشير إلى: سحوبات مالية غير قانونية. أمضت **مريم** ساعات في فك الشفرة؛ لقد استنزف **توفيق** على مدار أكثر من عشر سنوات أموال الصندوق المخصص لابنته، ورهن أراضٍ واسعة، وباع أسهماً دون إذن، وهرب الأموال إلى شركات وهمية. لكن ذلك لم يشرح سبب اختياره لـ **فارس** بالذات! كانت الإجابة داخل ملف أزرق. فتح **فارس** الملف ليفاجأ باسم والده "عبد الرحمن". كانت هناك صور لنقل ملكيات، وإيميلات مزورة، ومدفوعات لصحفيين نشروا التحقيق المزيف الذي أدى إلى تدمير والده. لقد اكتشف "عبد الرحمن" أن **توفيق** يبيض الأموال عبر عقود المقاولات، وقبل أن يقدم الأدلة، اتُهم بنفس الجري\مة التي كان يحاول كشفها! قال **فارس** بصوت مكسور: — «مات أبي وهو يظن أن الجميع يرونه لصاً...» خفضت **مريم** رأسها وقالت: «لم أكن أعلم شيئاً...» صمت **فارس** لطويل، فتراجعت هي إلى الخلف وقالت: — «فهمت... أنت تظن الآن أنني شريكة في هذا.» — «لا.» — «لكنك شككت فيّ.» — «شككت في كل شيء لأنني اكتشفت للتو من دمر عائلتي... لكنكِ لستِ هو. سامحيني.» أرادت **مريم** أن تصدقه، رغم أن الخوف الداخلي كان يوسوس لها بأنه سيحملها في النهاية أخطاء والدها. ثم وجدا عقداً للزواج يختلف تماماً عن العقد الذي وقّعا عليه! في تلك النسخة، ينص أحد الشروط على أنه إذا توفيت **مريم** خلال السنة الأولى من الزواج وخضع **فارس** للتحقيق، فإن الأسهم والممتلكات تعود تلقائياً إلى **توفيق**. وكانت هناك أيضاً صور لمنعطف خطر على الطريق، وتقارير ميكانيكية لسيارة **مريم**، وملاحظة مكتوبة: *«تعطيل المكابح. الخروج بعد التوقيع. يتم القبض على فارس بدافع الطمع المالي.»* شعرت **مريم** بالغثيان: «لقد قرر قتلي وإلصاق التهمة بك!» رد **فارس**: «لهذا اختار رجلاً مفلساً... ليصدق الجميع أنني وافقت على الزواج لأخذ المال ثم حاولت الاستيلاء على التركة كاملاً.» فجأة، ملأت رائحة البنزين المكان، وتسلل خيط من الدخان الأسود من تحت الباب! — «لقد كشفوا أمرنا!» أخذ **فارس** الملف الأزرق، بينما خبأت **مريم** دفتر والدتها داخل معطفها. امتدت ألسنة النيران في الممر بسرعة مرعبة. كان الباب الرئيسي مغلقاً بسلاسل من الخارج، والنوافذ محاطة بقضبان حديدية. وسقطت عارضة خشبية مشتعلة على كتف **فارس** فأسقطته أرضاً. صرخ بها: «اهربي! خذي الأدلة واخرجي!» نظرت **مريم** إلى النار، ثم إلى الخشب الذي يحاصره. طوال سنوات، استغل والدها جسدها لإهانتها، مكرراً أنها ضخمة وقوية وأقل أنوثة... وفي تلك الليلة، كان ذلك الشيء الذي يعايرها به الجميع هو ما أنقذ حياة إنسان! رفعت **مريم** العارضة الخشبية بكلتا يديها، احترقت عضلاتها واكتوت كفاها، لكنها نجحت في رفعها حتى سحب **فارس** جسده، ثم حملته تقريباً حتى وصلا إلى ممر خدمة قديم تذكره من طفولتها. خرجا إلى الهواء الطلق وسقطا على الطين، وبعد ثوانٍ معدودة انفجر المستودع! لجأ الزوجان إلى مسجد مهجور بالقرب من المنطقة. كان كتف **فارس** مخلوعاً، و**مريم** تتنفس بصعوبة وسخام الحريق يغطي وجهها. اعترف لها **فارس**: — «تزوجتكِ من أجل عائلتي... ظننت أنني أستطيع تنفيذ الاتفاق، ومعاملتكِ باحترام، ثم الرحيل بعد عام.» نظرت إليه دون كلام، فأكمل: — «لكن عندما سقطت العارضة المشتعلة، لم أفكر في الشركة ولا الديون ولا غسل اسم أبي... بل فكرت في أنني لا أريد أن أموت قبل أن أقول لكِ إنكِ أشجع إنسانة قابلتها في حياتي.» — «أنت لا تعرفني جائداً.» — «بل أعرف... أعرف أنكِ ساعدتِ العشرات من النساء دون أن تطلبي شكرهن، وأعرف أنكِ تحفظين اسم كل عامل، وأعرف أنكِ تتظاهرين بعدم المبالاة عندما يسخر الناس منكِ... وأعرف أنكِ عدتِ لأجلي بينما كان بوسعكِ الهرب.» شعرت **مريم** بأسوار دفاعاتها تنهار لأول مرة: — «لا تقل لي أنني جميلة بدافع الشفقة...» — «لست بحاجة لتغيير رأي أشخاص لم يكلفوا أنفسهم عناء معرفتكِ... أنتِ تهمنني كما أنتِ، لا كما يراكِ الآخرون.» وكانت هي من بادر بقبلتها الأولى. عند الفجر، أثبتت الشرطة وجود وقود وآلية استخدمت لإغلاق المنافذ. واعترف أحد الحراس بأن محامي **توفيق** دفع له المال لإضرام النار. أنكر **توفيق** كل شيء، ثم طلب مقابلة **فارس** على انفراد. عرض عليه دفع الـ 30 مليوناً فوراً، وإعادة فتح شركة والده، وتوفير المال الكافي لوالدته وأخته، بشرط واحد: أن يشهد بأن **مريم** هي من أشعلت النار خلال نوبة مرضية! قال **توفيق**: «وقّع وسيكون كل شيء ملكك... لا تكن أحمق، فابنتي ستنتهي في مصحة نفسية على أي حال.» وضع **فارس** جهاز تسجيل على الطاولة وقال: «كرر هذا الكلام بالقرب من الميكروفون.» احتبست الأنفاس في حلق **توفيق**؛ فقد حضر **فارس** برفقة محاميين وموثق قانوني! وأصبحت هذه التسجيلات أول قطعة حاسمة ضد رجل الأعمال الشرير. أما الضرب القاضية، فجاءت من **عائشة**، خالة **مريم**، التي كانت مختبئة منذ خمس سنوات في مدينة أخرى؛ إذ كانت تحتفظ برسالة أصلية من الأم **فاطمة** تشرح فيها أنها اكتشفت الاختلاسات، وكتبت فيها: *«الطبيب يغير أدويتي... إن متُّ، فسيقول توفيق إنني فقدت توازني. لم يكن حادثاً.»* عُقدت جلسة المحكمة لترد الحقوق بعد ثلاثة أسابيع. دَخلت **مريم** القاعة بقميص أنيق، وشعر مرفوع، ودون أن تحاول إخفاء البقعة على وجهها أو الندوب. والأشخاص أنفسهم الذين سخروا منها يوم زفافها لزموا الصمت هذه المرة! قدم **توفيق** التقارير الطبية لاتهامها بالجنون، لكن دفاع **مريم** أثبت أن التقارير كُتبت بصيغ متطابقة، وبعضها صُدر في تواريخ كانت هي فيها خارج البلاد! كما أكد المختبر وجود المخدر في الشوكولاتة، وشهد الحارس بالحرائق، وأثبتت البنوك السحوبات غير القانونية. ثم فتح **فارس** الملف الأزرق... فاعترف الصحفي بتلقي أموال لتشويه سمة والده، واعتراف مسؤول سابق بإتلاف أدلة البراءة. لقد دُمّرت عائلة **فارس** لمجرد إسكات شاهد! وعندما حاول **توفيق** إلقاء اللوم على محاميه الخاص، خائن المحامي وسلّم تسجيلات وإيميلات حفظها لسنوات لحماية نفسه. وفي أحد التسجيلات، سمع الجميع صوت **توفيق** وهو يقول: — «ستوقع الفتاة، وتنقل الأسهم، ثم تسافر مع زوجها... إن ماتت هي، فسيذهب فارس إلى السجن. وإن مات هو، فسنقول إنه حاول سرقتها وفقد السيطرة على السيارة. يجب أن يختفي أحدهما.» عمّ الذهول القاعة... لقد أعد **توفيق** خطتين للموت؛ لم يكن يهمه أيهما يموت، طالما أن الناجي سيحمل الذنب، وهو يستعيد الثروة! تشابكت أصابع **مريم** بـ **فارس**. وفقد **توفيق** أعصابه وصرخ: «والدتكِ أيضاً أرادت تدميري! لو أغلقت فمها لكانت حية الآن!» رفع القاضي نظره وقال: «هل كنت تعلم أن فاطمة في خطر؟» حاول **توفيق** التراجع، لكن المحامي كشف السر الأخير: لقد استبدل الطبيب دواء الأم بمخدر، وعندما سقطت من الشرفة، كانت ما تزال تتنفس... لكن **توفيق** أمر بالانتظار قبل طلب الإسعاف! سألته **مريم**: «لماذا؟» ولأول مرة، لم يجد والدها إجابة جاهزة، واكتفى بالقول: «لأنها كانت ستأخذ مني كل شيء...» قالت **مريم**: «بل لأنك خسرت كل شيء يوم قررت أن المال أغلى من الروح.» ألقي القبض على **توفيق** بتهم الاختلاس، والاحتجاز القسري، والتزوير، ومحاولة القتل، والمشاركة في قتل زوجته. كما أُلقي القبض على المحامي والطبيب. قبل أن يخرج مكبلاً، نظر **توفيق** إلى **فارس** وقال: «كل ما استرددته كان بفضلي!» رد **فارس**: «أنت عرضت عليّ المال... لكن الشيء الوحيد الثمين الذي وجدته في صفقتك، هو المرأة التي حاولت تدميرها.» بعد أشهر، بُرئ اسم والد **فارس** رسمياً، وعادت شركة المقاولات للعمل عبر إجراءات قانونية عادلة. واستردت **مريم** ثروتها، وتحول المستودع والمنزل القديم إلى ملاذٍ وآمن للنساء اللاتي يُحاول ذووهن السيطرة على أموالهن بدعوى عدم الأهلية. عرض **فارس** على **مريم** إلغاء الزواج قائلاً: — «بدأ هذا الزواج تحت التهديد... الآن يمكنكِ الاختيار.» — «هل تريد أنت الرحيل؟» — «لا.» — «إذاً لا تقرر عني باسم حريتي.» وتزوجا مجدداً في المسجد الصغير نفسه الذي لجآ إليه بعد الحريق. لم يكن هناك رجال أعمال ولا صحفيون، بل عائلتاهما، والعاملون، وحرفيات الجمعية. سارت **مريم** بوجه مكشوف... ولم يضحك أحد هذه المرة. بعد سنوات، وخلال افتتاح مركز جديد، أظهرت **مريم** ندوب ظهرها لأول مرة؛ ليس لإثارة الشفقة، بل لتثبت أن الضحية يمكنها النجاة حتى وإن كان جلاّذها يملك المال والأطباء والنفوذ. لقد ظن الجميع أن الوحش هو الفتاة التي تحمل بقعة على وجهها... لكن الوحش الحقيقي كان يرتدي بدلة فاخرة، ويتبرع للمساجد، ويُستقبل بالترحاب في أرقى الصالونات! لم تنتصر **مريم** لأن فارساً أنقذها... بل انتصرت لأنها واجهت الحقيقة، وقبلت الدعم دون أن تسلّم إرادتها، وعرفت أن الحب الحقيقي لا يطلب الصمت ولا الخضوع ولا الألم كشرط للبقاء. تمت خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد