دخلت مكتب جوزي بقلم ميرا احمد

فخلع البطاقة المعلقة على معطفه الأبيض، ووضعها فوق الطاولة بيد مرتجفة.

خرج من القاعة ببطء، بينما كان الممر الذي اعتاد أن يسير فيه مرفوع الرأس، يمر فيه اليوم وحده، دون أن يجرؤ أحد على تحيته.

لكن قبل أن يصل إلى باب المستشفى…

استوقفه أحد رجال الأمن.

“آسف يا دكتور… بأمر اللجنة، لازم تسلم مفاتيح مكتبك، واللابتوب، والهاتف الخاص بالمستشفى.”

أغلق أدهم عينيه لثوانٍ.

وأدرك أن كل النفوذ الذي بناه خلال سنوات… انهار في يوم واحد.

وفي الوقت نفسه، كانت سارة تدخل مكتب والدها لأول مرة منذ وفاته.

جلست على الكرسي، ووضعت يدها على سطح المكتب الخشبي.

وهمست بصوت اختلطت فيه الدموع بالقوة:

“اطمن يا بابا… وعدتك إن المستشفى هتفضل أمانة… وأنا هوفي بوعدي.”بعد أسبوعين…

عاد الهدوء تدريجيًا إلى مستشفى الشفاء.

اختفت سيارات الإعلام من أمام البوابة.

وانشغل الناس بقصة جديدة.

لكن داخل المستشفى…

كان كل شيء قد تغيّر.

أول قرار وقّعت عليه سارة لم يكن فصل موظف، ولا إغلاق قسم.

بل كان إنشاء لجنة مستقلة لمراجعة كل ملفات المرضى خلال آخر خمس سنوات، وتعويض أي مريض ثبت أنه تعرض لخطأ أو ظلم.

قال لها أحد أعضاء المجلس:

“ده هيكلف المستشفى ملايين.”

فأجابته بثبات:

“سمعة المستشفى أهم من أي فلوس.”

في المقابل…

كان أدهم يجلس في شقة صغيرة استأجرها بعد أن غادر الفيلا.

أمامه عشرات الاتصالات من صحفيين ومحامين.

لكن لم يتصل شخص واحد يسأل عنه بدافع المحبة.

حتى ريم…

اختفت منذ يوم التحقيق.

تركَت استقالتها، وأغلقت هاتفها، وغادرت القاهرة لتبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل ما حدث.

جلس أدهم ينظر إلى صور قديمة تجمعه بسارة.

صورة يوم زفافهما.

وصورة افتتاح جناح الأطفال.

وصورة كان يضحك فيها وهو يمسك بيدها.

همس لنفسه:

“ضيعت كل حاجة بإيدي.”

وفي صباح يوم هادئ…

دخلت سارة إلى قسم الأطفال.

كانت تحمل دمية صغيرة لطفلة أجرت عملية قلب ناجحة.

ابتسمت الطفلة وهي تقول:

“حضرتك الدكتورة؟”

ضحكت سارة برقة.

“لأ… أنا مجرد واحدة بتحب تشوفكم بخير.”

اقتربت أم الطفلة منها وقالت:

“ربنا يجازيكي خير… المستشفى دي بقت مختلفة.”

ابتسمت سارة دون أن تجيب.

فهي كانت تعرف أن أصعب المعارك ليست معركة كشف الخيانة…

بل معركة إعادة الثقة.

وقبل غروب الشمس…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *