دخلت مكتب جوزي بقلم ميرا احمد

—
طرقت السكرتيرة باب المكتب.
“أستاذة سارة… في واحدة بره بتقول إنها ريم.”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت سارة:
“دخليها.”
دخلت ريم ببطء، ولم ترفع عينيها.
وضعت الظرف على المكتب.
“أنا مش جاية أبرر اللي حصل… ولا أطلب السماح.”
نظرت إليها سارة في هدوء.
أكملت ريم:
“أنا جاية أرجع حاجة مالهاش حق عندي.”
فتحت سارة الظرف.
وجدت بداخله مفتاحًا صغيرًا، وعدة مستندات.
رفعت رأسها باستغراب.
“إيه دول؟”
تنهدت ريم.
“من سنين… أدهم كان اشترى بيت صغير، وسجله باسمي علشان محدش يعرف. بعد التحقيقات، حاول ينقله باسمي رسمي، لكني رفضت.”
توقفت لحظة، ثم قالت:
“البيت ده اتشترى من فلوس خرجت من المستشفى… وأنا مش عايزة جنيه واحد يكون لي.”
سألتها سارة:
“وأدهم فين دلوقتي؟”
أجابت ريم:
“آخر مرة كلمته كانت من سنة. قال إنه سافر يشتغل في مستشفى خيري في جنوب مصر، وطلب مني أرجع أي حاجة مش من حقنا.”
ساد الصمت داخل المكتب.
ثم دفعت سارة الظرف نحوها.
“خدي المستندات دي للمحامي. لو البيت فعلًا من أموال المستشفى، يبقى يرجع للمستشفى.”
هزت ريم رأسها.
“وده اللي كنت جاية أعمله.”
—
بعد شهر…
بيع البيت في مزاد قانوني.
ولم يدخل جنيه واحد إلى حساب سارة الشخصي.
بل خُصص المبلغ بالكامل لإنشاء وحدة جديدة لعلاج كبار السن غير القادرين.
وعُلقت عند مدخلها لافتة بسيطة كُتب عليها:
“هذه الوحدة أُنشئت من أموال عادت إلى أصحابها.”
قرأ العاملون العبارة، ولم يعرف معظمهم القصة الحقيقية.
لكن سارة كانت تعرف.
وأدركت أن العدالة لا تكتمل فقط بكشف الخطأ…
بل بإصلاح آثاره أيضًا.
وفي مساء ذلك اليوم، وقفت أمام نافذة مكتبها تنظر إلى المرضى وهم يدخلون المركز.
ابتسمت بهدوء، وهمست:
“أخيرًا… بقى كل شيء في مكانه الصحيح.”بعد عام كامل…
في صباح شتوي هادئ، كانت سارة تستعد لافتتاح قسم جديد داخل المستشفى.
ازدحم المكان بالمرضى والأطباء والمتطوعين.
وفجأة…
دخل رجل مسن يستند إلى عصاه، وكان يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
اقترب من سارة وقال:
“حضرتك بنت الدكتور محمود الشافعي؟”
ابتسمت.
“أيوه.”
ناولها الصندوق وقال:
“أبوك أنقذ حياة ابني من خمسة وعشرين سنة… ولما حاولت أدفع له، رفض وقال لي: لو عايز ترد الجميل، ساعد حد غيرك لما تقدر.”
انهمرت الدموع من عيني الرجل.
“ابني بقى مهندس كبير، وسافر، ورجع من كام يوم. ولما عرف إن الدكتور محمود توفى، قالي لازم ننفذ وصيته.”





