دخلت مكتب جوزي بقلم ميرا احمد

ساد الصمت.

لم تنطق سارة بكلمة.

أكمل الرجل:

“آخر ثلاث سنين، كان بيعالج أكتر من ميت مريض كل شهر من غير ما ياخد منهم جنيه واحد. وكل مكافآته كان بيتبرع بيها لصندوق علاج الأطفال.”

فتح الظرف، وأخرج دفترًا صغيرًا.

“لقيت ده في مكتبه… وكان كاتب على أول صفحة: يُسلَّم إلى سارة الشافعي فقط.”

تناولت سارة الدفتر بيد مرتجفة.

فتحته.

في الصفحة الأولى كتب أدهم:

“لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا خلاص مشيت. مش بطلب منك تسامحيني، لأن ده حقك. لكن بطلب منك حاجة واحدة… لو في يوم تسمعي إن حد اتغير، صدقي إن الإنسان ممكن فعلًا يتغير، حتى لو اتأخر.”

قلبت الصفحة.

وجدت عشرات الأسماء.

بجوار كل اسم ملاحظة قصيرة.

“الطفل أحمد… نجح في العملية.”

“الحاجة أمينة… خرجت تمشي على رجليها.”

“يوسف… أول مرة يضحك بعد العلاج.”

وفي آخر صفحة…

كانت هناك جملة واحدة فقط.

“أخيرًا فهمت كلام والدك… الطبيب الحقيقي هو اللي يسيب وراه دعوات، مش شهرة.”

أغلقت سارة الدفتر، واغرورقت عيناها بالدموع.

وفي صباح اليوم التالي…

اجتمع مجلس الإدارة.

قالت سارة:

“عندي اقتراح.”

نظر الجميع إليها.

“هنعمل منحة تدريب سنوية باسم الدكتور أدهم الشافعي… تتقدم لأفضل طبيب شاب يثبت إنه بيخدم المرضى بإخلاص.”

تعجب أحد الأعضاء.

“بعد كل اللي حصل؟”

ابتسمت سارة بهدوء.

“إحنا مش بنكرم أخطاءه… إحنا بنكرم الإنسان اللي عرف يتوب عنها قبل ما يمشي.”

ساد الصمت.

ثم وافق المجلس بالإجماع.

وبعد أيام، عُلقت لوحة صغيرة في قاعة التدريب.

كُتب عليها:

“الطبيب قد يخطئ… لكن أعظم انتصار له أن يختار الإصلاح قبل فوات الأوان.”

وهكذا… لم تنتهِ قصة سارة وأدهم بالخيانة فقط، بل تركت وراءها درسًا ظل يرويه كل طبيب جديد يدخل مستشفى الشفاء.الفصل الأخير بعد عشر سنوات…

دقت ساعة المستشفى التاسعة صباحًا.

لكن هذه المرة…

لم تكن سارة في مكتبها.

كانت تقف في حديقة مستشفى الشفاء، بين عشرات الأطفال الذين أنهوا رحلة علاجهم، يطلقون بالونات بيضاء في السماء.

اقترب منها شاب يرتدي بالطوًا أبيض، لا يتجاوز الثلاثين من عمره.

قال مبتسمًا:

“أستاذة سارة… فاكراني؟”

تأملت وجهه للحظات.

ثم اتسعت عيناها.

“أنت… الطفل اللي عملنا له أول عملية مجانية في المركز!”

ضحك الشاب.

“أيوه… اسمي عمر.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *