منعتني بقلم فاتن سليم

قال:
- لا… دي إنسانة.
ونظر لأميرة وقال:
- سامحيني.
اتجمدت أميرة.
رجل بالمكانة دي بيعتذر لها؟
أما هناء فكانت مصدومة.
قال الأب:
- هناء… انتي عارفة أنا بدأت حياتي إزاي؟
قالت:
- أكيد تعبت يا بابا… بس الزمن اتغير.
ابتسم ابتسامة كلها وجع.
- لأ… انتي متعرفيش.
وسكت لحظات، ثم قال:
- وأنا عندي خمسة عشر سنة كنت شغال “فراش” في شركة مقاولات… وكنت بتنقل من بيت لبيت أنضف وأشيل رمل وأسمنت.
شهقت هناء.
- إيه؟!
- أيوه… وكان في ناس تعاملني باحترام، وناس كانت تخليني أشرب من حنفية الجنينة، وترفض تديني كوباية مية من جوه البيت.
نزلت دمعة من عينه.
- عمري ما نسيت الإهانة دي… وكنت بحلف بيني وبين نفسي إن لو ربنا كرمني، هكرم كل إنسان يشتغل عندي.
ثم نظر لها نظرة قاسية وقال:
- وانتي النهارده كسرتي الوعد اللي أنا عشت عمري كله محافظ عليه.
خفضت هناء رأسها لأول مرة.
لكن الأب لم يكن يعرف أن ما حدث في ذلك اليوم لم يكن مجرد موقف عابر…
ففي المساء، وبينما كان يقلب أوراقًا قديمة داخل مكتبه، سقط منه ظرف أصفر قديم.
فتحه بالصدفة…
وبداخله صورة باهتة لامرأة شابة تحمل طفلة صغيرة.
ابتسم بحزن وهمس:
- يا ترى… عايشة فين دلوقتي يا نادية؟
وفجأة وقع نظره على اسم مكتوب خلف الصورة…
“أميرة.”
توقف قلبه لثوانٍ…
رفع رأسه في ذهول، ثم نظر من شباك المكتب ناحية البوابة، حيث كانت أميرة تغادر الفيلا وهي تمشي ببطء.
وقال لنفسه بصوت مرتعش:
- معقول… تكون هي نفس الطفلة؟!
وفي تلك اللحظة، قرر أن يبحث عن الحقيقة، غير مدرك أن هذا السر سيقلب حياة الجميع، وسيكشف أن أميرة ليست مجرد عاملة نظافة جاءت تبحث عن لقمة عيش… بل تحمل ماضيًا يربطها بهذه الفيلا أكثر مما يتخيل أي شخص.
يتبع…
الفصل الثالث: الحقيقة التي دفنها الزمن
لم يذق الحاج فؤاد طعم النوم تلك الليلة.
ظل يقلب الصورة بين يديه عشرات المرات، وكلما نظر إلى وجه الطفلة الصغيرة، ثم تذكر ملامح أميرة، شعر أن قلبه يخبره بشيء لا يجرؤ عقله على تصديقه.
في صباح اليوم التالي، طلب من السكرتير أن يبحث عن عنوان أميرة.
وبعد ساعات، عرف أنها تعيش في حي شعبي بسيط، في شقة قديمة بالإيجار.





