الفصل السابع عشر مر أسبوع كامل... دون أن تصل إلى نغم أي رسالة مجهولة. ودون أن تقع أي حادثة جديدة. لكن هذا الهدوء لم يكن مطمئنًا. كان مراد يعرف جيدًا أن أخطر ما في خصومه... أنهم يجيدون الصبر. ... في صباح الأحد... وصلت نغم إلى الشركة تحمل حقيبة صغيرة مليئة بالملفات. ما إن دخلت قسم الاتصال المؤسسي حتى فوجئت بـ ليلى تقترب منها بابتسامة. — الباشمهندس مراد طلب إنك تنقلي مكتبك. عقدت نغم حاجبيها. — أنقله فين؟ — في الدور السابع والعشرين... جنب مكتب الإدارة. تفاجأت. — ليه؟ ابتسمت ليلى. — قال إن الملفات اللي بتشتغلي عليها بقت حساسة، ولازم تكوني قريبة منه. لم تعلق نغم. لكنها شعرت بأن القرار لم يكن إداريًا فقط... بل كان وسيلة لحمايتها. .... بعد ساعة... انتهى العمال من نقل أغراضها. كان مكتبها الجديد بسيطًا وأنيقًا، تطل نافذته على المدينة. والمفاجأة... أن مكتب مراد لم يكن يبعد سوى عدة أمتار. بينهما ممر قصير وبابان فقط. ... في منتصف النهار... دخلت نغم إلى مكتب مراد تحمل تقريرًا. طرقت الباب. — اتفضل. دخلت. كان منهمكًا في مراجعة عقد استثماري. رفع رأسه. — خلصتي التقرير؟ ناولته الملف. بدأ يقرأ. ساد الصمت. كانت تراقب تعابير وجهه في محاولة لمعرفة رأيه. بعد دقائق... أغلق الملف. وقال باقتضاب: — ممتاز. ابتسمت دون أن تشعر. ثم قالت مازحة لأول مرة: — كلمة "ممتاز" دي تعتبر مكافأة كبيرة من حضرتك. نظر إليها لثوانٍ... ثم ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة. — واضح إنك بدأتي تفهميني. ساد الصمت. لكنه هذه المرة... لم يكن صمتًا ثقيلًا. .... في المساء... كانت نغم تعمل وحدها. لاحظت أن معظم الموظفين غادروا. رن هاتف مكتبها الداخلي. — الأستاذة نغم... كان صوت مراد. — أيوه يا فندم. — خلصتي؟ نظرت إلى الساعة. كانت التاسعة والنصف مساءً. — فاضل شوية. قال بهدوء: — سيبي الباقي لبكرة. — بس... قاطعها لأول مرة. — ده أمر. ابتسمت. — حاضر. .... خرجت من مكتبها. وجدته يغلق مكتبه هو الآخر. سارا في الممر نفسه. قالت بعد تردد: — حضرتك دايمًا آخر واحد يمشي؟ أجاب وهو ينظر أمامه: — الشركة مسؤولية. ابتسمت. — وأنا كنت فاكرة إن الصحافة هي أصعب شغلانة. التفت إليها. — وكل واحدة فيهم ليها تمن. توقفت الكلمات بينهما. كان كل منهما يحمل جراحًا لا يعرفها الآخر كاملة. .... وصلا إلى المصعد. ضغط مراد الزر. انفتح الباب. نزلا معًا. لأول مرة. دون أي حديث عن العمل. سألها فجأة: — بتحبي القهوة؟ نظرت إليه باستغراب. — جدًا. — سادة؟ ضحكت بخفة. — لا... من غير سكر. هز رأسه وكأنه حفظ المعلومة. ثم عاد الصمت. لكن هذه المرة... كان صمتًا مريحًا. .... في صباح اليوم التالي... دخلت نغم مكتبها. توقفت مكانها. على طرف المكتب... كان هناك كوب قهوة ساخن. وبجواره ورقة صغيرة. "قبل ما تبرد." لم يكن عليها اسم. لكنها أدركت فورًا صاحبها. نظرت نحو مكتب مراد. كان الباب مغلقًا. ابتسمت دون أن تشعر. ثم حملت الكوب. وأخذت أول رشفة. تمامًا كما تحب... من دون سكر. .... في الوقت نفسه... كان مراد يقف داخل مكتبه، يراجع بعض التقارير. دخل اللواء محمود. لاحظ كوب القهوة الثاني على المكتب. ابتسم بخبث. — شكلك غيرت نوع القهوة. رفع مراد رأسه. — نعم؟ أشار اللواء إلى الكوب. — حضرتك بقالك سنين بتشربها بسكر. نظر مراد إلى الكوب للحظة. ثم ابتسم ابتسامة خفيفة. — الظاهر... العادة بتتغير. لم يعلق اللواء. لكنه خرج وهو يخفي ابتسامة واسعة. .... في المساء... كانت نغم تراجع تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بموقف السيارات، بعد إذن رسمي من مراد. كانت تبحث عن الدراجة النارية التي راقبتها قبل أيام. أوقفت التسجيل فجأة. أعادت اللقطة ببطء. هناك سيارة سوداء... كانت تقف في المكان نفسه. كل يوم. وفي التوقيت نفسه. كبرت الصورة. لم يظهر رقم اللوحة بوضوح. لكنها رأت شيئًا آخر. الرجل الذي نزل منها... صافح طارق المنشاوي. تسارعت أنفاسها. أعادت المقطع مرة أخرى. نفس المشهد. لم يكن هناك شك. طارق يعرف ذلك الرجل. وفي اللحظة التي همّت فيها بحفظ نسخة من التسجيل... انطفأت الشاشة فجأة. ساد الظلام. ثم اشتغلت الإضاءة الاحتياطية. سمعت صوت الباب الإلكتروني يُغلق تلقائيًا. أصبحت داخل غرفة المراقبة... وحدها. وخارج الباب... توقفت خطوات شخص مجهول. ثم جاءها صوته منخفضًا: — المرة دي... مش هتلاقي حد ينقذك. تجمدت نغم في مكانها. وأمسكت هاتفها بيد مرتجفة. لكن قبل أن تتمكن من الاتصال بأي شخص... انقطع التيار عن الهاتف أيضًا. وفي الطابق السابع والعشرين... كان مراد يوقع أحد العقود. فجأة... رن هاتف الأمن الداخلي. جاءه صوت متوتر: — يا باشمهندس... في انقطاع كهرباء محدود في جناح المراقبة... والأستاذة نغم كانت آخر واحدة دخلت هناك. وقف مراد بعنف حتى سقط الكرسي خلفه. ولأول مرة منذ سنوات... ظهر الخوف واضحًا على وجهه. ثم اندفع خارج مكتبه وهو يقول: — افتحوا كل الأبواب... حالًا! # الفصل الثامن عشر ارتفع صوت أجهزة الإنذار في جناح المراقبة. وانطلقت أبواب الطوارئ تُغلق تلقائيًا واحدًا تلو الآخر. ركض مراد في الممر الطويل بخطوات ثابتة وسريعة، يتبعه اللواء محمود وعدد من أفراد الأمن. كان وجهه هادئًا... لكن عينيه كشفتا عن قلق لم يره أحد من قبل. وصل إلى باب غرفة المراقبة. كان مغلقًا إلكترونيًا. قال أحد أفراد الأمن: — النظام مش راضي يستجيب يا فندم. نظر مراد إلى الباب للحظة. ثم قال بحزم: — اكسروا القفل. --- في الداخل... كانت نغم تتراجع ببطء. الغرفة غارقة في ظلام خافت، لا يقطعه سوى ضوء شاشات المراقبة الاحتياطية. سمعت خطوات الرجل المجهول تقترب. توقفت أنفاسها. حاولت تشغيل هاتفها مرة أخرى. لا استجابة. تلفتت حولها بسرعة. وقع بصرها على خزانة معدنية صغيرة. وضعت القرص المدمج الذي كانت تحتفظ به داخل أحد الأدراج، وأغلقته بالمفتاح. ثم أخفت المفتاح داخل بطانة حقيبتها. همست لنفسها: — لو حصل لي حاجة... الدليل لازم يفضل موجود. --- في الخارج... ارتفع صوت ارتطام قوي. ضربة أولى. ثم ثانية. وفي الثالثة... انكسر القفل. اندفع مراد إلى الداخل. أضاءت كشافات الأمن الغرفة. كانت فارغة... إلا من نغم. وقفت في آخر الغرفة، شاحبة الوجه، لكنها ثابتة. اقترب منها بسرعة. — إنتِ كويسة؟ هزت رأسها بصعوبة. — أيوه... نظر حوله. — فين الشخص اللي كان هنا؟ أشارت إلى الباب الخلفي. — هرب قبل ما تدخلوا بثواني. أصدر مراد أوامره فورًا. — اقفلوا كل مخارج الشركة... وراجعوا الكاميرات من أول دقيقة. انطلق رجال الأمن. وبقي هو معها. --- ساد بينهما صمت قصير. لاحظ مراد أن يدها ترتجف. ناولها زجاجة مياه كانت على الطاولة. — اشربي. أخذتها منه. كانت هذه أول مرة تلاحظ أن صوته، رغم هدوئه، يحمل قلقًا حقيقيًا. قالت بعد لحظات: — أنا آسفة. نظر إليها باستغراب. — على إيه؟ — دخلت غرفة المراقبة لوحدي. ابتسم ابتسامة خفيفة. — لو كل موظف هيعتذر لأنه كان بيشتغل... يبقى الشركة كلها تعتذرلي كل يوم. ابتسمت دون إرادة. كان هذا أول موقف يجعلهما يبتسمان معًا. --- بعد دقائق... دخل اللواء محمود. — فتشنا المبنى كله. رفع مراد رأسه. — ولقيتوا حاجة؟ — لا. لكن في شخص عطّل الكهرباء من غرفة التحكم لمدة ثلاث دقائق بس. سأل مراد: — الكاميرات؟ — معظمها رجع. إلا كاميرا واحدة... كاميرا غرفة المراقبة. أغمض مراد عينيه للحظة. من جديد... كل أثر مهم يختفي في اللحظة المناسبة. --- في المساء... كانت نغم تستعد للمغادرة. خرجت من باب الشركة. فوجدت المطر يهطل بغزارة. وقفت تنتظر سيارة أجرة. بعد لحظات... توقفت سيارة مراد أمامها. خفض زجاج النافذة. — اركبي. ترددت. — هطلب تاكسي. نظر إلى السماء ثم إليها. — المطر هيزيد. ظلت صامتة. قال بهدوء: — اعتبريها توصيلة من الشركة. فتحت الباب وجلست. --- تحركت السيارة وسط شوارع القاهرة المبتلة. كانت المرة الأولى التي يجلسان فيها وحدهما بعيدًا عن الاجتماعات والمكاتب. قطع مراد الصمت. — لسه مصرة تعملي كل حاجة لوحدك؟ ابتسمت بخفة. — دي عادة. — والعادات ساعات بتكون خطر. نظرت إليه. — حضرتك دايمًا بتتكلم عن الشغل... ولا دي نصيحة؟ ابتسم للمرة الثانية. — الاتنين. ضحكت بخفوت. وكانت تلك الضحكة كافية لتكسر جزءًا من الجدار الذي وقف بينهما منذ أول لقاء. --- توقفت السيارة أمام منزلها. أمسكت بمقبض الباب. ثم التفتت إليه. — شكرًا. أومأ برأسه. — تصبحي على خير يا أستاذة نغم. — وحضرتك من أهله. ترجلت من السيارة. ولم تنتبه إلى السيارة السوداء المتوقفة في آخر الشارع. داخلها... كان حسام يراقب المشهد بصمت. رفع هاتفه. — هما بقوا أقرب من الأول. جاءه صوت طارق هادئًا: — كنت عارف إن ده هيحصل. — نوقفهم؟ ساد صمت قصير. ثم قال طارق: — لا... لسه بدري. خلّي كل واحد فيهم يثق في التاني أكتر. لأن لحظة انهيار الثقة...هي اللي هتوجعهم بجد. # الفصل التاسع عشر لم تغب صورة السيارة السوداء عن ذهن مراد طوال الليل. لم يكن قلقه نابعًا فقط من محاولة استهداف نغم... بل من التوقيت. كلما اقتربت من دليل جديد... ظهر شخص يحاول إبعادها عنه. وهذا يعني شيئًا واحدًا. **الخصم لم يعد يخشى الأدلة... بل أصبح يخشى نغم نفسها.** --- في الثامنة صباحًا... دخلت نغم الشركة تحمل حقيبة يدها وكوبًا من القهوة. كانت تظن أن اليوم سيكون هادئًا. لكنها فوجئت بليلى تنتظرها أمام المصعد. ابتسمت ليلى. — الأستاذ مراد مستني حضرتك من بدري. عقدت نغم حاجبيها. — خير؟ — معرفش... بس أول ما وصل سأل إذا كنتي جيتي ولا لأ. ارتبكت نغم قليلًا. هل كان ينتظرها فعلًا؟ --- طرقت باب المكتب. — اتفضلي. دخلت. كان مراد يقف أمام شاشة كبيرة تعرض مخططًا لعدد من الشركات التابعة للمجموعة. التفت إليها. — صباح الخير. — صباح النور. أشار إلى المقعد. — اقعدي. جلست، بينما لاحظت وجود ملف قديم على مكتبه. قال بهدوء: — من النهارده... أي خطوة تخص قضية صفا، هتكون بعلمي. رفعت رأسها فجأة. — حضرتك... سكتت. كانت هذه أول مرة ينطق اسم صفا أمامها مباشرة. نظر إليها بهدوء. — لأن اللي بيحصل معدش مجرد تهديدات. أصبح في خطر حقيقي. ثم أضاف: — وأنا مش هسمح إن حد يتأذي تاني. كانت الجملة الأخيرة صادقة إلى درجة أربكتها. --- بعد انتهاء الاجتماع... وقفت نغم أمام الباب. استدارت نحوه. — حضرتك... لو رجع بيك الزمن... كنت هتغير حاجة؟ ساد الصمت. خفض مراد عينيه للحظات. ثم قال بصوت هادئ، يحمل ألمًا دفينًا: — كنت هروح لها بدري. تجمدت نغم. لم تفهم المقصود. لكنه لم يضف شيئًا. خرجت وهي تشعر أن الرجل الذي أمامها يحمل ذنبًا... لكنه ليس ذنب الجريمة. بل ذنب العجز. --- في الثانية ظهرًا... وصل إلى مراد اتصال من الدكتور سامي. — محتاج أشوفك... ضروري. — حصل حاجة؟ — أيوه... افتكرت حاجة صفا قالتها قبل آخر جلسة. ساد الصمت. ثم قال الطبيب: — وهي تخص الشخص اللي كانت خايفة منه. --- بعد ساعة... وصل مراد إلى العيادة. لكن هذه المرة... أصر على اصطحاب نغم معه. لم تعترض. كان الفضول يقتلها. استقبلهما الدكتور سامي داخل مكتبه. ظل صامتًا للحظات. ثم فتح درج مكتبه. وأخرج دفترًا صغيرًا. قال وهو يناوله لمراد: — بعد السرقة... افتكرت إن صفا كانت سايبة الورقة دي وسط ملاحظاتي، مش جوه ملفها. تناول مراد الدفتر بحذر. كانت آخر صفحة تحمل سطورًا بخط صفا. قرأ بصوت منخفض: *"لو حصل لي حاجة... دوروا على الحقيقة بره الشركة."* اتسعت عينا نغم. هذا يعني... أن صفا تعمدت إخفاء الدليل الحقيقي بعيدًا عن مجموعة السيوفي. أكمل مراد القراءة: *"أنا وثقت في الشخص الغلط... لكنه مش صاحب القرار."* ساد الصمت. رفعت نغم رأسها. — يعني اللي خدعها... كان مجرد أداة؟ أومأ الدكتور سامي. — ده اللي فهمته من كلامها. --- خرج الثلاثة من المكتب. وقفت نغم في شرفة العيادة. كانت تحاول ترتيب أفكارها. اقترب منها مراد. وقف بجوارها. دون أن ينظر إليها. قال بهدوء: — مش كل اللي بنصدقه بيكون حقيقة. نظرت إليه. — وأنا بدأت أتعلم الدرس ده. التفت إليها لأول مرة. التقت عيناهما. واستمر الصمت بينهما. لكن هذه المرة... لم يكن هناك اتهام. ولا دفاع. فقط... ثقة بدأت تولد بهدوء. --- وأثناء عودتهما... توقف مراد أمام مقهى صغير على الطريق. تعجبت نغم. — حضرتك نازل؟ أجاب ببساطة: — خمس دقايق. عاد بعد دقائق يحمل كوبين من القهوة. ناولها أحدهما. ابتسمت عندما تذوقت أول رشفة. — من غير سكر. ابتسم ابتسامة خفيفة. — قلتلك... أنا بعرف الناس من شغلها. ضحكت لأول مرة دون تردد. وكانت ضحكتها صافية... بعيدة عن الحزن الذي لازمها سنوات. لم يقل أي منهما كلمة عن مشاعره. لكن شيئًا ما... تغير في تلك اللحظة. --- في الجهة الأخرى من المدينة... دخل حسام مكتب طارق بعصبية. — الدكتور سامي افتكر حاجة. ظل طارق هادئًا كعادته. — إيه هي؟ — قال لهم يدوروا بره الشركة. ساد صمت قصير. ثم نهض طارق من مقعده. اتجه إلى النافذة. وقال للمرة الأولى بنبرة اختفى منها هدوؤه المعتاد: — يبقى لازم نسبقهم. — على فين؟ استدار إليه. كانت عيناه تحملان نظرة لم يرها حسام من قبل. — على المكان... اللي صفا دفنت فيه الحقيقة قبل ما تموت. وفي اللحظة نفسها... كانت نغم تفتح الصفحة الأخيرة من الدفتر مرة أخرى. لاحظت شيئًا لم تنتبه إليه من قبل. في أسفل الورقة... كان هناك رقم مكتوب بقلم باهت. **"19 / 7"** وبجواره كلمة واحدة فقط... **"المنارة."** # الفصل العشرون لم تستطع نغم أن تنام. ظلت الورقة أمامها على الطاولة، تحدق في الرقم والكلمة المكتوبين بخط صفا. **19 / 7... المنارة.** كتبتها عشرات المرات في دفتر ملاحظاتها. هل هو تاريخ؟ أم رقم غرفة؟ أم عنوان؟ لكن شيئًا واحدًا كانت متأكدة منه... صفا لم تكن تكتب شيئًا بلا معنى. --- في صباح اليوم التالي... دخلت نغم الشركة مبكرًا كعادتها. وقبل أن تصل إلى مكتبها، وجدت رسالة من مراد. **"احضري إلى مكتبي فور وصولك."** طرقت الباب. — اتفضلي. دخلت وهي تحمل الدفتر. رفع مراد رأسه عن شاشة الحاسوب. لاحظ أنها لم تنم جيدًا. لكنه لم يعلق. قال بهدوء: — واضح إنك وصلتي لحاجة. وضعت الدفتر أمامه. — الكلمة دي. قرأها بصمت. ثم أعاد النظر إليها. — "المنارة"... دي مش أول مرة أشوفها. رفعت رأسها بسرعة. — حضرتك تعرفها؟ تنهد مراد. — زمان... قبل وفاة صفا بحوالي أسبوع، طلبت مني أساعدها أوصل لملف في شركة شحن بحرية اسمها "المنارة للخدمات اللوجستية". شعرت نغم بقشعريرة تسري في جسدها. — ولقيتوا حاجة؟ هز رأسه بالنفي. — للأسف... لما وصلنا، كانت الملفات اختفت. توقفت نغم عند كلمة قالها دون أن ينتبه. **"وصلنا."** رفعت عينيها إليه. — يعني... كنت معاها؟ أطرق برأسه قليلًا. ثم قال: — أيوه. وللمرة الأولى... لم يحاول إخفاء شيء. --- ساد الصمت. كانت نغم تنظر إليه، تحاول أن تقرأ الحقيقة في ملامحه. لم تجد رجلًا يدافع عن نفسه. ولا رجلًا يحاول كسب تعاطفها. وجدت فقط... إنسانًا يحمل ذكرى ثقيلة. قالت بهدوء: — حضرتك عمرك سألت نفسك... لو كنت لحقتها في الوقت المناسب، كانت هتعيش؟ أغلق مراد الملف الذي أمامه. ظل صامتًا للحظات. ثم قال: — كل يوم. --- خرجت نغم من المكتب، لكن كلمات مراد بقيت تلاحقها. *"كل يوم."* لم تكن كلمات رجل يتصنع الحزن. كانت كلمات رجل يعاقب نفسه منذ سنوات. --- في منتصف النهار... دخل اللواء محمود على مراد. — وصلنا معلومات عن شركة المنارة. وقف مراد فورًا. — اتفضل. فتح اللواء الملف. — الشركة أُغلقت من ست سنين. — وصاحبها؟ — سافر بره مصر بعدها بشهرين. — والملفات؟ — اتحفظ عليها... لكن في مخزن تابع للميناء. تبادل الرجلان النظرات. قال مراد: — هنروح النهارده. --- قبل المغادرة... دخلت نغم تحمل بعض الأوراق. قال مراد: — جهزي نفسك. تعجبت. — رايحين فين؟ — الإسكندرية. نظرت إليه بدهشة. — دلوقتي؟ — كل دقيقة تأخير ممكن تضيع دليل. وافقت دون تردد. --- بعد ساعتين... كانت السيارة تشق الطريق الصحراوي. هذه المرة... لم يكن الحديث عن العمل فقط. سألها مراد فجأة: — ليه اخترتي الصحافة؟ ابتسمت بخفة. — لأني كنت مؤمنة إن الحقيقة تستحق حد يدور عليها. ثم أضافت بعد لحظة: — حتى لو كانت مؤلمة. هز رأسه بإعجاب. — واضح. التفتت إليه. — وحضرتك؟ ابتسم ابتسامة صغيرة. — ورثت الشركة... لكن اخترت أكملها. — ندمت؟ نظر إلى الطريق. — كل اختيار ليه تمن. --- ساد الصمت. لكن لم يكن صمت غرباء. بل صمت شخصين... بدأ كل منهما يفهم الآخر. --- مع غروب الشمس... وصلا إلى الإسكندرية. توقفت السيارة أمام مخزن قديم يطل على الميناء. كان المكان شبه مهجور. ترجل مراد أولًا. ثم ساعد نغم على النزول، دون مبالغة أو تلامس غير ضروري. تقدم نحوهما حارس مسن. نظر إلى مراد طويلًا. ثم قال: — حضرتك... رجعت بعد السنين دي كلها؟ نظر إليه مراد باستغراب. — تعرفني؟ ابتسم الرجل بحزن. — إزاي أنسى... إنت والبنت الصحفية جيتوا هنا قبل سبع سنين. تسارعت أنفاس نغم. إذن... صفا كانت هنا فعلًا. --- قادهم الحارس إلى غرفة أرشيف قديمة. فتح بابًا حديديًا صدئًا. وقال: — البنت دي سابت أمانة. بس قالت متتفتحش... إلا لو رجعت معاك. نظر مراد إلى الصندوق الخشبي الموضوع فوق الرف. اقترب منه ببطء. مد يده... ثم توقف. كانت عيناه ممتلئتين بالذكريات. التفت إلى نغم. وقال بصوت خافت: — يمكن... دي أول مرة الحقيقة تقرر تتكلم. اقتربت نغم منه. وقفا جنبًا إلى جنب أمام الصندوق. فتح مراد القفل. ببطء. كان بداخله... كاميرا تصوير صغيرة. ودفتر ملاحظات. وظرف مغلق. كتب عليه بخط صفا: **"لا يفتح إلا إذا كنتما معًا."** تجمد الاثنان في مكانهما. رفعت نغم عينيها إلى مراد. نظر إليها في صمت. كيف كتبت صفا هذه الجملة... وهي لا تعرف أصلًا أن نغم ستدخل حياة مراد بعد سنوات؟ وقبل أن ينطق أحدهما بكلمة... دوّى صوت ارتطام قوي خارج المخزن. ثم انطفأت الأنوار. وتردد صوت خطوات تقترب بسرعة من الباب الحديدي. # الفصل الحادي والعشرون ساد الظلام داخل المخزن. توقفت نغم عن التنفس للحظة، بينما انطلق صوت ارتطام آخر من الخارج، أعنف من الأول. رفع مراد يده في إشارة إليها أن تلتزم الصمت. أخرج هاتفه. شغّل المصباح. انتشر خيط أبيض من الضوء داخل المكان. كانت عيناه تتحركان في كل الاتجاهات. هادئًا... كما لو أن الهدوء نفسه أصبح سلاحه. همس: — اقفي ورايا. لم تعترض. ولأول مرة... نفذت ما قاله دون نقاش. --- وصل صوت خطوات إلى الباب الحديدي. ثم... توقف. ساد صمت ثقيل. اقترب مراد بحذر. نظر من الفتحة الصغيرة أعلى الباب. لم ير أحدًا. فتح الباب بسرعة. خرج إلى الساحة. كانت خالية. إلا من صندوق خشبي مكسور سقط من فوق إحدى الروافع القديمة بفعل الرياح. تنفس ببطء. لم يكن هناك أحد. لكن إحساسه لم يتغير. هناك من كان يراقبهما. --- عاد إلى الداخل. وجد نغم ما زالت تقف بجوار الصندوق. قالت بهدوء: — كنت فاكرة إن في حد. ابتسم ابتسامة خفيفة. — وأنا كمان. ثم نظر إلى الظرف. — نكمله؟ أومأت. --- فتح الظرف بحذر. كان بداخله خطاب قصير، وصورة فوتوغرافية، وبطاقة ذاكرة صغيرة. تناول الخطاب أولًا. بدأ يقرأ بصوت منخفض. > "لو وصلت للرسالة دي... > > يبقى أنا غالبًا مقدرتش أكمل. > > يا مراد... > > لو جيت لوحدك، اقفل الظرف وامشِ. > > ولو معاك الشخص اللي قرر يكمل الطريق بعدي... > > يبقى افتح كل حاجة." توقف مراد. نظر إلى نغم. ثم أكمل القراءة. > "أنا مش عارفة مين هيكون الشخص ده... > > لكن متأكدة إنه هيكون بيدور على الحقيقة... > > مش على الانتقام." شعرت نغم أن الكلمات تخاطبها دون أن تعرفها صفا. أكمل مراد. > "لو كنتوا واقفين سوا... > > يبقى الحقيقة قربت." ساد الصمت. ثم طوى الخطاب بحرص. وقال بهدوء: — دلوقتي فهمت. سألته نغم: — فهمت إيه؟ — صفا ما كانتش تقصد شخص بعينه... كانت تقصد أي حد يكمل اللي هي بدأته. تنفست نغم براحة. كانت تخشى أن تكون الرسالة تحمل سرًا غير منطقي. لكن تفسير مراد كان منطقيًا... ويشبه صفا التي عرفتها. --- التقطت الصورة. كانت قديمة. تجمع أربعة أشخاص في مؤتمر اقتصادي. مراد... وصفا... والدكتور سامي... ورجل رابع. هذه المرة... لم يكن وجه الرجل ممزقًا. حدقت نغم في الصورة. ثم اتسعت عيناها. همست: — مستحيل... اقترب مراد. نظر إلى الصورة. تجمد مكانه. الرجل الرابع... كان **رئيس مجلس إدارة شركة المنارة**. الرجل الذي اختفى من مصر بعد وفاة صفا. --- أخرجت نغم بطاقة الذاكرة. وضعتها في الكاميرا الصغيرة الموجودة داخل الصندوق. اشتغلت الشاشة. ظهر تسجيل مصور. كانت صفا. تجلس داخل غرفة بسيطة. ملامحها مرهقة... لكن عينيها ثابتتان. قالت أمام الكاميرا: "أنا صفا..." ثم ابتسمت ابتسامة باهتة. "لو الفيديو ده اشتغل... يبقى الحقيقة لسه عندها فرصة." توقفت لحظة. ثم أكملت: "أنا اكتشفت شبكة بتستخدم شركات الشحن في نقل مستندات وأموال بطرق غير قانونية." نظر مراد إلى نغم. كانت تتابع الشاشة دون أن ترمش. أكملت صفا: "أنا وثقت في شخص... وكان أكبر غلطة في حياتي." توقفت الصورة فجأة. ثم عاد التسجيل. لكن الصوت اختفى لثوانٍ. عاد بعد ذلك مشوشًا. "...مش هو... صاحب القرار..." ثم انقطع التسجيل نهائيًا. ضربت نغم الطاولة بغيظ. — لأ! اقترب مراد. تفحص الكاميرا. قال بهدوء: — البطارية قديمة... لكن التسجيل محفوظ. هنقدر نسترجعه. --- وقبل أن يغلق الكاميرا... لفت انتباه نغم انعكاس صغير في مرآة خلف صفا. أعادت المقطع. أوقفته. كبرت الصورة. ظهر شخص يقف خارج الغرفة. لم يظهر وجهه كاملًا. لكن ساعة اليد التي يرتديها كانت مميزة. ساعة فضية... يتوسطها شعار على شكل صقر. شعرت نغم أن الشكل مألوف. لكنها لم تتذكر أين رأته. --- خرج الاثنان من المخزن. كان الليل قد بدأ يرخي ستاره على الميناء. سارا في صمت. حتى قالت نغم فجأة: — مراد... كانت المرة الأولى التي تناديه باسمه مجردًا من أي لقب. التفت إليها. لاحظت ذلك. فارتبكت. — أقصد... باشمهندس مراد. ابتسم بهدوء. — مراد تكفي. نظرت إليه للحظة. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. ولم تعلق. لكن قلبها... لم يعد ينبض بالكراهية التي جاءت بها إلى هذه الشركة. وفي الجهة المقابلة من الميناء... كانت سيارة سوداء تراقب المخزن من بعيد. أغلق طارق المنظار. وقال لحسام: — لقوا الصندوق. سأل حسام بقلق: — نتصرف؟ نظر طارق إلى البحر طويلًا. ثم قال: — لا... لسه الدليل ناقص. وخليهم يفتكروا إنهم سبقونا. لأن النهاية... هتكون أقسى مما يتخيلوا. #الفصل الثاني والعشرون غادر مراد ونغم الميناء بعد أن سلّما الصندوق ومحتوياته إلى اللواء محمود، الذي وصل مع فريقه لتأمين الأدلة. أصر اللواء على العودة إلى القاهرة فورًا. لكن مراد رفض. قال بهدوء: — الأدلة بقت في أمان... وإحنا محتاجين كام ساعة راحة. نظر إليه اللواء باستغراب. لكنه لم يعترض. --- بعد أقل من نصف ساعة... كانت السيارة تسير بمحاذاة كورنيش الإسكندرية. البحر هادئ. والنسيم البارد يتسلل من النافذة نصف المفتوحة. كانت نغم تنظر إلى الأمواج في صمت. أما مراد... فكان يقود، لكن عقله لم يغادر تلك الرسالة التي تركتها صفا. قال فجأة: — أول مرة أشوف البحر من سنين. التفتت إليه. — معقول؟ ابتسم ابتسامة باهتة. — كنت باجي هنا كتير... قبل كل اللي حصل. ثم عاد الصمت. --- توقفت السيارة أمام مقهى هادئ يطل على البحر. لم يكن المكان مزدحمًا. اختار مراد طاولة بعيدة عن الجميع. جلسا متقابلين. طلب قهوتين. وعندما وضع النادل الأكواب، قال دون أن يسأل: — واحدة من غير سكر. نظرت إليه نغم مبتسمة. — لسه فاكر. رفع كتفيه. — قلتلك... بعرف الناس من التفاصيل. ضحكت بخفة. ولأول مرة... لم يكن في ضحكتها أي أثر للحزن. --- بعد دقائق... سألها مراد بهدوء: — ممكن أسألك سؤال؟ أومأت. — ليه حسيت إن قضية صفا بالنسبة لك أكبر من مجرد تحقيق صحفي؟ توقفت يدها فوق فنجان القهوة. انخفضت عيناها. كانت تعرف... أن لحظة الهروب انتهت. تنفست ببطء. ثم قالت: — لأن صفا... مش مجرد صحفية بالنسبة لي. نظر إليها في صمت. رفعت عينيها نحوه. كانت الدموع تلمع فيهما. — صفا كانت أختي. تجمد مراد. لكنه لم يقاطعها. أكملت بصوت مرتجف: — أختي من أمي.... صفا كانت أكبر مني بسبع سنين. لما ماتت...أنا وعدت نفسي أعرف مين ضيعها. ساد الصمت. لم تكن هناك أي أصوات... إلا هدير البحر. ظل مراد ينظر إليها طويلًا. ثم قال بصوت خافت: — كنتِ شايفة إني أنا السبب. هزت رأسها ببطء. — أيوه... كنت مقتنعة بده. وسكتت لحظة. ثم أضافت: — النهارده... أنا مش عارفة أصدق إيه. --- أطرق مراد برأسه. ثم قال لأول مرة منذ بداية الرواية: — أنا مدينلك بالحقيقة. رفعت نغم رأسها. تابع بصوت هادئ: — صفا جاتلي بنفسها. طلبت مساعدتي بعد ما اكتشفت شبكة فساد. في الأول كنت فاكر إنها مجرد قضية تهرب مالي. لكن بعد كام يوم... عرفت إن الموضوع أخطر بكتير. كانت بتتعرض لتهديدات. وكنت بحاول أوفرلها حماية. سألته نغم بصوت خافت: — وليه مقولتش الكلام ده قبل كده؟ ابتسم بأسى. — لأن مكنش عندي دليل يثبت كلامي. ولو اتكلمت... كنت هضيع القضية كلها. ثم نظر إليها مباشرة. — ولأنك من أول يوم كنتِ شايفاني قاتل. ماكنتش هتصدقي كلمة. أخفضت نغم رأسها. لم تجد ما ترد به. --- بعد لحظات من الصمت... قالت بصوت يكاد يُسمع: — أنا آسفة. رفع مراد يده بإشارة هادئة. — متعتذريش. اللي عرفتيه زمان... كان يخلي أي حد يصدق نفس اللي صدقتيه. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. — المهم إننا عرفنا نبدأ من جديد. رفعت رأسها إليه. ولأول مرة... شعرت أن الجدار الأخير بينهما بدأ يتصدع. --- في الجهة الأخرى... كان طارق يجلس داخل مكتبه في القاهرة. دخل حسام على عجل. — مراد ونغم لسه في إسكندرية. أغلق طارق الملف الذي أمامه. — كويس. — نتحرك؟ ابتسم ابتسامة غامضة. — لأ. لسه عندهم جزء من الحقيقة. لكن الجزء الأخطر... لسه مدفون. اقترب من النافذة. وأضاف بهدوء: — خليه يثق فيها أكتر... وهي تثق فيه أكتر. لأن الضربة... كل ما تتأخر... بتوجع أكتر. --- في الإسكندرية... كان الليل قد انتصف. وقف مراد ونغم أمام البحر. قالت نغم وهي تنظر إلى الأفق: — عمري ما تخيلت إن الحقيقة ممكن تغير الإنسان بالشكل ده. نظر إليها مراد. — الحقيقة مبتغيرناش... هي بس بتخلينا نشوف نفسنا بوضوح. ابتسمت. ثم ساد بينهما صمت مريح. لم يكن يحتاج إلى كلمات. وفي تلك اللحظة... رن هاتف مراد. نظر إلى الشاشة. كان المتصل... **الدكتور سامي.** أجاب بسرعة. لكن ملامحه تغيرت خلال ثوانٍ. قال بصدمة: — إزاي اختفى؟! ثم أغلق الهاتف والتفت إلى نغم. لمتابعة بقية الحكاية على صفحة سحر الفيروز ، تابع كل جديد.