قلب لا يعرف الكراهية قبل الاخير
توقفت نغم عند كلمة قالها دون أن ينتبه.
**”وصلنا.”**
رفعت عينيها إليه.
— يعني… كنت معاها؟
أطرق برأسه قليلًا.
ثم قال:
— أيوه.
وللمرة الأولى…
لم يحاول إخفاء شيء.
—
ساد الصمت.
كانت نغم تنظر إليه، تحاول أن تقرأ الحقيقة في ملامحه.
لم تجد رجلًا يدافع عن نفسه.
ولا رجلًا يحاول كسب تعاطفها.
وجدت فقط…
إنسانًا يحمل ذكرى ثقيلة.
قالت بهدوء:
— حضرتك عمرك سألت نفسك…
لو كنت لحقتها في الوقت المناسب، كانت هتعيش؟
أغلق مراد الملف الذي أمامه.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال:
— كل يوم.
—
خرجت نغم من المكتب، لكن كلمات مراد بقيت تلاحقها.
*”كل يوم.”*
لم تكن كلمات رجل يتصنع الحزن.
كانت كلمات رجل يعاقب نفسه منذ سنوات.
—
في منتصف النهار…
دخل اللواء محمود على مراد.
— وصلنا معلومات عن شركة المنارة.
وقف مراد فورًا.
— اتفضل.
فتح اللواء الملف.
— الشركة أُغلقت من ست سنين.
— وصاحبها؟
— سافر بره مصر بعدها بشهرين.
— والملفات؟
— اتحفظ عليها… لكن في مخزن تابع للميناء.
تبادل الرجلان النظرات.
قال مراد:
— هنروح النهارده.
—
قبل المغادرة…
دخلت نغم تحمل بعض الأوراق.
قال مراد:
— جهزي نفسك.
تعجبت.
— رايحين فين؟
— الإسكندرية.
نظرت إليه بدهشة.
— دلوقتي؟
— كل دقيقة تأخير ممكن تضيع دليل.
وافقت دون تردد.
—
بعد ساعتين…
كانت السيارة تشق الطريق الصحراوي.
هذه المرة…
لم يكن الحديث عن العمل فقط.
سألها مراد فجأة:
— ليه اخترتي الصحافة؟
ابتسمت بخفة.
— لأني كنت مؤمنة إن الحقيقة تستحق حد يدور عليها.
ثم أضافت بعد لحظة:
— حتى لو كانت مؤلمة.
هز رأسه بإعجاب.
— واضح.
التفتت إليه.
— وحضرتك؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— ورثت الشركة…
لكن اخترت أكملها.
— ندمت؟
نظر إلى الطريق.
— كل اختيار ليه تمن.
—
ساد الصمت.
لكن لم يكن صمت غرباء.
بل صمت شخصين…
بدأ كل منهما يفهم الآخر.
—
مع غروب الشمس…
وصلا إلى الإسكندرية.
توقفت السيارة أمام مخزن قديم يطل على الميناء.
كان المكان شبه مهجور.
ترجل مراد أولًا.
ثم ساعد نغم على النزول، دون مبالغة أو تلامس غير ضروري.
تقدم نحوهما حارس مسن.
نظر إلى مراد طويلًا.
ثم قال:
— حضرتك… رجعت بعد السنين دي كلها؟
نظر إليه مراد باستغراب.
— تعرفني؟
ابتسم الرجل بحزن.
— إزاي أنسى…
إنت والبنت الصحفية جيتوا هنا قبل سبع سنين.
تسارعت أنفاس نغم.
إذن…
صفا كانت هنا فعلًا.


