الجزار بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

​مرت ثلاثة أيام كاملة على تلك الليلة المجنونة. ثلاثة أيام ونور تحاول التأقلم مع عالمها القديم الذي بات يبدو باهتاً ومثيراً للشفقة مقارنة بعالم السيارات المصفحة وطلاقات الرصاص.
​كانت نور تجلس في غرفتها، التفّت بالبطانية حتى رأسها، وتحدق في شاشة التلفزيون المفتوح على برنامج طبخ ببلاهة شديدة. دخل والدها الغرفة يحمل كوباً من الشاي الدافيء، وقف عند الباب وتأملها بريبة، حواجبُه معقودة استغراباً:
«يا بت يا نور… أنتِ مالك بقيتي هادية وراسيّة كده ليه؟ ولا بتفتحي لابتوبك العجيب ده، ولا بتصوتي مع صحابك على الواتساب! هو إحنا العمارة اللي جنبنا لما اتملت بوليس وشوشرة من كام يوم دي أثرت على صرصور مخك؟»
​بلعت نور ريقها بصعوبة، وبصت لوالدها بطرف عينها وهي تحاول رسم ابتسامة ملائكية:
«أنا يا حاج؟ أبداً والله! ده أنا بس… اكتشفت إن التكنولوجيا دي رجس من عمل الشيطان، وأحسن حاجة الإنسان يعيش في الهدوء والطبيعة، ويحضر محاضرات الكلية ويرجع ينام بدري!»
​هز والدها رأسه بقلة حيلة وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة وخرج وأغلق الباب.
​بلمح البصر، أزاحت نور البطانية ونطت من على السرير، اتجهت لنهاية الفراش وكشفت عن الكارت الأسود ذي الحواف الذهبية المخبأ ببراعة تحت المخدة. فتحت أدراج مكتبها بحذر، وأخرجت الهاتف الصغير المرعب الذي أهداها إياه سليم. ظلت تبص له بتردد قاتل، وتحدث نفسها بصوت خافض:
«أكلمه؟ لأ كبرياء الفتاة المصرية… طب أبعت مسج؟ لأ هيفتكرني ملهوفة عليه… بس والله وحشني هدوءه المرعب ده، والبيت هنا بقى يملل!»
​وفجأة… اهتز الهاتف الصغير في يدها بنغمة مكتومة، وإضاءة الشاشة أعلنت عن اتصال من رقم مجهول!
​شهقت نور بصوت عالٍ، واختنقت بريقها من الخضة وهي تتراجع للخلف، قبل أن تضغط على زر الرد وتحط الهاتف على أذنها بصوت خفيض ومصنع للرقة:
«ألو… مين معايا؟»
​جاءها عبر الأثير صوته الفخم، ذو الفحيح الهادي الذي يكهرب الأعصاب ويفرض الهيبة دون مجهود:
«اللي كان هيرميكي للكلاب من ثلاثة أيام… عامله إيه في الحياة العادية يا نور؟»
​نطت نور على السرير بطفولية، وضحكت بصوت مجنون أطاح بكبرياء الفتاة المصرية في ثوانٍ:
«سليم!! قصدي… يا هلا بـ”الجزار”! والله الحياة العادية بصل وشوربة وكآبة ومحاضرات دكاترة تغم النفس! ده أنت وحشتني يا راجل… أقصد، أهلاً بيك، إيه الأخبار عندك في عالم الإجرام؟»
​سمعت ضحكته الواطية الساحرة عبر الهاتف وهو يقول:
«الأخبار إن رجالي لحد النهاردة بيسألوا عن “عميلة المخابرات” اللي طيرت برج من دماغ كارما بالبيجامة الميكي… جاهزة لخروجتك الأولى معايا؟»

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *