الجزار بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

في أعلى برج بالمدينة، حُجز المطعم الفاخر بالكامل لصالح رجل واحد. الأجواء كانت شديدة الأناقة؛ إضاءة خافتة، موسيقى كلاسيكية تنساب بنعومة، وطاولة في المنتصف يُطل مشهدها على أنوار المدينة الصاخبة.
كان سليم الجزار يجلس متأنقاً ببدلة رمادية داكنة تُبرز هيبته الصارمة، يحمل فنجان القهوة بين أطراف أصابعه ويطالع الشارع العريض أسفله ببرود تام.
وفجأة… انفتح الباب الزجاجي الضخم.
دخلت نور وهي ترتدي فستاناً أسود بسيطاً يُظهر جمالها العفوي، وتنتعل كعباً عالياً يتحرك بجنون وعدم اتزان! بمجرد أن ألمحته، نسيت أي محاولة للوقار، وأسرعت نحو الطاولة بخطوات متخبطة، ثم ألقَت بجسدها على الكرسي المقابل وهي تنهج وتعدل حاشية الفستان:
«أحيه يا سليم! السواق بتاعك بيسوق على سرعة 200! كنت هقطع الخلف على الكورنيش، ده كان ناقص يطلع بينا على سطح العمارات!»
أنزل سليم فنجان القهوة ببطء شديد، وجال بعينيه عليها من رأسها حتى أخمص قدميها. نظرة الإعجاب لم يتعب نفسه في إخفائها، وقال بنبرة هادئة ودافئة على غير العادة:
«بس الفستان طالع عليكي أحسن بكثير من البيجامة الميكي ماوس…»
احمرّ وجه نور في ثانية، وحاولت رسم ابتسامة كسوفة ومصطنعة وهي تدعي عدم الاهتمام:
«احم… تسلم يا جزار، ده من ذوقك الإجرامي والله. بس قولي بقى… أنت حاطط شمع وأكل فاخر ومفارش ستان ليه؟ هو في حد هتقتلوه هنا ولا ده عشاء عمل عادي بين العصابة؟»
قرب سليم جسده قليلاً نحو الطاولة، وضع ساعديه عليها وبص في عينيها مباشرة بابتسامة خفيفة سحرت المكان:
«ده عشاء مش عمل يا نور… ده عشاء شكر. شكر للبنت اللي دخلت حياتي المظلمة بصدمة، وخلتني أضحك من قلبي لأول مرة من سنين.»
تنحت نور، وتجمدت الكلمات في حلقها بعد أن أكل الخجل ملامحها بالكامل. وفي هذه اللحظة الرومانسية الساحرة والهدوء المطلق…
”طاااااخ!”
صوت ارتطام مرعب وأطباق تحطمت داخل المطبخ الخلفي للمطعم!
نور قفزت من مكانها بصرخة مدوية، وألقت بنفسها تحت الطاولة وهي تمسك برجل سليم وتصيح بهستيريا:
«اقتحاااام! كارما رجعت من القبر يا سليم! اتصرف وحياة عيالك!»
انحنى سليم ونظر إليها أسفل الطاولة، ثم هز رأسه بقلة حيلة وضغط على جبهته وهو يبتسم بقلة حيلة:
«يا بنتي ده الجرسون اتكعبل في السجادة ووقع الأطباق! اطلعي يادوبك كبرتي في نظري ثانتين!»
بعد بضعة أشهر…
استقرت الأمور تماماً في عالم سليم الجزار. خمدت الحروب بين العصابات، وأصبح يدير إمبراطوريته بأسلوب أكثر ذكاءً وهدوءاً، مبتعداً عن المواجهات المباشرة.
في ليلة صحراوية هادئة داخل قصره الفخم، كان سليم يجلس خلف مكتبه الأبنوسي، يتابع بعض أرقام التجارة المشفرة على شاشاته الضخمة.
فجأة… أضاء هاتفه الصغير الخاص بنغمة رسالة نصية قصيرة.
سحب سليم الهاتف ببطء وفتحه. لم تكن الرسالة قادمة عبر ثغرة عشوائية من الـDark Web هذه المرة، بل كانت رسالة مباشرة من نور.
مكتوب فيها:
«بقولك إيه يا جزار… أختي عزمانا على الغداء بكرة، وبابا بيسألني الأستاذ سليم بيشتغل إيه بالضبط؟ أقوله “مهندس ديكور” عشان شكلها محترم، ولا أقوله “زعيم مافيا ومسيطر على الشرق الأوسط” عشان يوافق ويترعب أسرع؟»
سند سليم ظهره إلى الخلف على كرسيه الجلد الفاخر، أشعل سيجاره الثمين، وبدت على شفتيه ابتسامة صافية يملؤها الارتياح، ثم كتب لها رداً سريعاً:
«قوليلو إنه بيشتغل “حارس شخصي” لأهبل بنت في مصر… وجاي يطلب إيدها بكرة الساعة 8.»


