الجزار بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

واللي بيحب الجزار يا شاطرة، بيدفع التمن يا إما بدمه… يا إما بقلبه.»

​وفجأة، اتسمع صوت خطوات ثقيلة نازلة النفق وراهم…
خطوات الأقدام كانت بتقرب بتكتكة مرعبة، وصوت شحن الأسلحة يرن في الممر الضيق.
​سليم مسك إيد نور وضغط عليها بقوة، وسحبها جاري في النفق المظلم. نور كانت بتجري وراه بالشبشب الفرو الوردية اللي طار منه فردة في السكة، وهي بتلهث وتتحسبن على الساعة اللي نزلت فيها متصفح البصلة.
​خرجوا من النفق على جراج سري تحت الأرض، مفيش فيه غير عربية واحدة: “باترول” مصفحة بالكامل ولونها أسود مط، شكلها يرهب.
​«ارركبي بسرعة!» سليم صرخ وهو بيفتح الباب وبيضغط على زرار الطوارئ في الجراج.
​نور اترمت في الكرسي اللي جنب السواق وهي بتنهج: «والله العظيم لو طلعت من المصيبة دي حية، لأمسح الواتساب والفيسبوك وهشتري تليفون بزراير!»
​سليم دور العربية، وصوت الموتور جارّ الأرض. في نفس اللحظة، باب النفق اتكسر وخرج منه أربعة من رجالة كارما وبيطلقوا النار بغزارة! الرصاص كان بيريشم على أزاز العربية المصفح وبيعمل شرار، بس مابيكسروش.
​سليم داس بنزين للاخر، العربية طلعت طيران، وكسرت الباب الصاج بتاع الجراج وخرجت للشارع الصحراوي والسماء بدأت تنور بنور الفجر.
​بعد عشر دقايق جاري مجنون على الطريق المهجور، سليم بص في المراية وابتسم بسخرية.. مفيش حد وراهم.
​نور كانت حاطة إيدها على قلبها وبتبص لسليم بالجنب: «طب وبعدين؟ إحنا رايحين فين دلوقتي؟ أنت هترجعني بابا وماما ولا هتوديني الملاهي؟»
​سليم بص لها نُص بؤرة، وشغل سيجارة بكل هدوء كأن مفيش أي حاجة حصلت: «بابا وماما إيه يا أم بيجامة ميكي؟ إنتي دلوقتي خطيرة على أمني القومي، وكارما حطت رأسك برأس رأسي. لو رجعتي بيتك هتوصلك في ثانية وهتخلص عليكي.»
​نور لطمت على خدها: «يا نهار أسود ومنيل! يعني أنا بقيت مطرودة ومطاردة من المافيا عشان كلمة “بحبك”؟! ده أنا لو كنت كتبت “بكرهك” كان زمانهم حدفولي قنبلة من الشباك!»
​سليم ضحك من قلبه لأول مرة، ضحكة حقيقية غطت على صوت الموتور: «لأ… لو كنتي كتبتي “بكرهك” كنت قتلتك أنا بنفسي من أول دقيقة. بس حظك إن كلمة “بحبك” غريبة عليا… محدش يتجرأ يقولها للجزار.»
​سليم هدى السرعة ودخل بالعربية في طريق جانبي وسط جبال الصحراء، وظهر من بعيد بيت مأمن ومستخبي بين الصخور.
​بص لنور وقال بصوت واطي وناعم غير عادته: «هتقعدي هنا معايا… لحد ما أخلص حسابي مع كارما. ومن هنا ولحد ما ده يحصل، إنتي تحت حمايتي الشخصية يا نور.»
​نور بلعت ريقها وبصت للبيت المهجور وسط الجبل، وبعدين بصت لسليم وعيونه الخضراء الثقيلة، وقالت بصوت واطي: «يعني إيه؟ هو فيلم الأكشن ده قلب دراما ورومانسية ولا أنا بيتهيألي؟!»
سليم بص لها نِص بَصّة وهو بيطفي السجارة في المنفضة، وقال بنبرة هادية بس تخلي القشعريرة تمشي في الجسم: «سيناريو الرومانسية ده بتشوفيه في التلفزيون يا شاطرة… هنا في عالم الجزار، الحماية معناها إنك تفضلي عايشة، وده أكبر كرم مني.»
​نزل سليم من العربية ونزلها وراه، ودخلوا البيت المخفي بين الصخور. المكان من جوة كان أشبه بمركز قيادة مصغر؛ شاشات مراقبة، أجهزة تشفير، وأسلحة متستفة على الحيطان بكل نظام.
​نور مشيت وراه وهي بتتلفت حواليها برعب وفضول في نفس الوقت: «طب والعمل؟ أنا كده هفضل محبوسة هنا بالبيجامة دي لحد إمتى؟ ده أنا عليا امتحان في الكلية الأسبوع الجاي!»
​سليم قعد قدام شاشة ضخمة وبدأ يكتب كود معقد بسرعة ومهارة: «امتحان إيه يا هبلة أنتِ؟! أنتِ لو اسمك ينزل في القائمة الممنوعة بتاعة كارما، مش هتلحقي تصلي الفجر حتى. اقعدي هنا ومتلمسيش أي زرار… والرحمة، بلاش موبايلات!»
​نور قعدت على كرسي جلد واسع وهي بتبص له بغيظ، بس فجأة عينها جمت على شاشة صغيرة كانت بتعرض خريطة حية للمدينة، وفيها نقطة حمراء بتتحرك بسرعة ناحية منطقة سكنية معروفة… منطقة بيت نور!
​«سليم!» نور صرخت وهي بتشاور على الشاشة: «إيه النقطة دي؟! دي رايحة ناحية بيتنا!»
​سليم عينيه وسعت، وقرب من الشاشة بسرعة وهو بيكبر الصورة. النقطة الحمراء كانت عربية تابعة لرجالة كارما، ومحملة بعبوات متفجرة، متجهة تماماً لعمارتها عشان يمسحوا أي أثر ليها ويضغطوا على سليم!
​«ابن الـ…! كارما ناويه تحرق المنطقة باللي فيها!» سليم ضغط على قبضته بغل.
​نور دموعها نزلت طوفان وصرخت فيه: «أبويا وأمي هناك يا سليم! اتصرف! لو حصلهم حاجة والله ما هسامحك ولا هسامح نفسي!»
​سليم بص لنور اللي كانت بترتعش وتعيط بهستيريا، وفي لحظة، هيبته القاسية لانت.. حس بمسؤولية غريبة ناحية العيلة اللي ملهاش أي ذنب غير إنها وقعت في طريقه.
​سليم مسك التابليت وبص لنور بحسم: «عندك خمس دقائق بالضبط… الثغرة العكسية اللي فتحتيها الصبح على موبايلك، تقدري تشغليها تاني من هنا ولا لأ؟»
​نور مسحت دموعها ببلاهة وذهول: «أنا؟! أنا قلتلك أنا مافهمش حاجة! أنا كل اللي عملته إني درست على زرار “Share” وبعت اللوكيشن على جروب العيلة!»
​سليم تنح ثانية، وبعدين ضرب جبهته بإيده وضحك بصوت عالٍ من كثرة الذهول: «يعني أنتِ ما اخترقتيش الشبكة… أنتِ بعتي لوكيشن القصر على جروب الواتساب بتاع عيلتك المفتوح؟!»
​«أيوه!» نور قالتها بكل براءة: «وقلتلهم الحقوني الجزار خطفني!»
​سليم بص لشاشة المراقبة وهو بيشوف عربية المافيا بتبعد عن بيت نور وبتغير اتجاهها بسرعة جنونية… اتاري كارما والهاكرز بتوعها قرا الجروب افتكروا إن دي مصيدة من أجهزة الأمن متحضرة لهم في منطقة بيتها!
​سليم لف لنور ونظر لها بذهول مصحوب بابتسامة إعجاب خفيفة: «أنتِ مش بس أهبل واحدة شفتها في حياتي… أنتِ أخطر خطة تمويه عملتها المافيا من غير ما تقصد!»
نور بصت له وهي مش فاهمة أي حاجة بس حسّت بإنجاز: «يعني… بابا وماما كويسين؟ وأنا طلعت عبقرية بجد ومحدش هيفرقع العمارة؟»
​سليم قرب منها ببطء، والنظرة الحادة اللي كانت في عينيه هديت شوية، واستبدلها بابتسامة خفيفة فيها كمية غموض تسحر: «أه يا ستي، عيلتك في أمان… بس حركة جروب الواتساب دي خلت كارما ترجع لورا وتفكر مية مرة قبل ما تاخد خطوة جديدة، افتكرت إنك عميلة للمخابرات ومغطية عليا.»
​نور حطت إيدها في وسطها وأخدت نفس عميق: «جدعة والله يا نورة، طلعتي بتلعبي شطرنج مع المافيا وأنتِ مش دريانة! طب بما إن المصيبة اتأجلت… ما مفيش أكل هنا؟ أنا جعت والتوتر ده بيفتح نفسي!»
​سليم فطس على نفسه من الضحك، ولف ضهره وهو بيهز رأسه بقلة حيلة: «مافيا واختراق وقنابل وتفكير في الأكل بالبيجامة الميكي… أنتِ كائن غريب !»
​فتح ثلاجة صغيرة كانت في الركن، وطلع منها عصير وساندوتشات جاهزة وحطهم قدامها على الطاولة: «دوري الأكل ده حالاً، عشان من بكرة الصبح هنبدأ الجد. كارما مش هتسكت، وبدل ما كنا بنهرب… إحنا اللي هنروح لحد عندها.»
​نور كانت بتأكل بلهفة وقفت فجأة والساندوتش في بؤها: «نروح فين يا كابتن؟! نهارك مش باين! إحنا مين؟! أنت روح لوحدك، أنا آخري في الخناقات أصوت وألم الناس!»
​سليم اتكأ على الطاولة وقرب منها، وعينيه الثقيلة جت في عينها مباشرة: «تؤ… أنتِ الكارت الرابح بتاعي يا نور. كارما مرعوبة منك فاكراكي داهية وتخطيطك معقد، ومحدش هيعرف يشتتها ويطير برج في دماغها غير غبائك العفوي ده.»
​نور بلعت الأكل بالعافية وبصت له بريبة: «يعني أنت هتنزلني المعركة بس\لاح الغباء التاكتيكي؟»
​سليم ابتسم ابتسامته المسمومة الساحرة وقال بصوت واطي: «بالضبط كده… ويا بخت من كان الغباء س\لاحه في أرض الجزار!»اليوم التالي، والشمس بتبدأ تطلع فوق جبال الصحراء.
​نور كانت واقفة قدام مرآة صغيرة في البيت المستخبي، لابسة جاكيت أسود واسع من بتاع سليم فوق بيجامتها الميكي، ومربطة شعرها بطريقة عشوائية. سليم كان بيحضر الأسلحة وبيراجع الخطة على الشاشة المشفرة، ولابسة بدلة سوداء تزيد من هيبته.
​«اسمعيني كويس يا نور،» سليم قالها بصوت حازم وهو بيعدل الم\سدس في جرابه: «كارما مجمعة رجالتها في مخزن مخفي في المنطقة الصناعية، فاكرة نفسها مستخبية وتخطط للهجمة الجاية. إحنا هنروح هناك… وأنتِ هتدخلي الأول.»
​نور فتحت عينها على آخرهم واللقمة زقزقت في زورها: «أدخل فين يا عم أنت؟! أنت عاوز تبعتني كبش فداء؟! ده أنا لو دخلت هناك هيعملوا مني كباب!»
​سليم قرب منها ومسك كتفها بثبات، والنظرة اللي في عينيه خلت قلبها يدق بسرعة مش بس من الخوف: «محدش يقدر يلمس شعرة منك وأنا وراكي. خطتنا بساطة بالغة: أنتِ هتدخلي بثقة، وتعملي نفسك عميلة مخابرات بجد، وتفتحي معاهم كلام أهبل من بتاعك عشان تشتتيهم… وفي الثواني اللي هيتنحوا فيها، هكون أنا ورجالي اقتحمنا المكان من الضهر وصفّيناهم.»
​نور بلعت ريقها وبصت له بريبة: «يعني أنا هبقى كارت تشتيت الانتباه؟»
سليم ابتسم ابتسامة خطيرة: «أنتِ القنبلة الموقوتة يا شاطرة.»
​بعد ساعة، العربية المصفحة وقفت على بعد مسافة من المخزن المظلم. نور نزلت وركبتها بتخبط في بعضها، مشيت بخطوات مرعوبة لحد ما وصلت للباب المصفح بتاع المخزن، وضربت الباب برجلها بكل قوة وهي بتصرخ:
​«افتحوا الباب ده حالاً يا بتوع المافيا! المخابرات العامة المصرية وصلت!»
​الحراس بره تنحوا وبصوا لبعض بذهول، وفي ثانية سحبوا أسلحتهم وفتحوا الباب. نور دخلت بثقة مزيفة، وراحت واقفة في نص المخزن قدام كارما اللي كانت قاعدة على كرسي عالي وبتحضر خطتها.
​كارما عينها وسعت من الصدمة: «أنتِ؟! إزاي جيتي هنا لوحدك؟! فين سليم الجزار؟!»
​نور حطت إيدها في وسطها، ورفعت رأسها بغرور: «سليم مين يا طنط؟! سليم ده أنا سلمته للجهات المختصة خلاص! أنا جاية هنا أقولك كلمتين لوجه الله: سلمي أسلحتك دي ونضفي المكان بدل ما أقفلكم السيرفر بالـ”بحبك” الثانية!»
​كارما ورجالتها اتجمدوا في مكانهم، مش فاهمين هل دي مجنونة ولا وراها جيش بره! وفي لحظة الذهول والسكوت التام دي…
​انفجر الباب الخلفي للمخزن! ودخل سليم الجزار زي الإعصار، والأضواء اتطفت وصوت إطلاق النار المكتوم ملأ المكان!
​كارما صرخت بغل وجريت عشان تسحب س\لاحها، بس سليم كان أسرع، وفي ثواني كان مسيطر على المكان ورجالتها ممدين على الأرض.
​سليم قرب من كارما اللي كانت ج\ثة هامدة من الرعب، وحط الس\لاح في وشها: «اللعبة انتهت يا كارما… وس\لاح الغباء التاكتيكي كسب المعركة.»
​كارما بصت لنور بذهول وقهر قبل ما تسلم نفسها، ونور كانت واقفة في الركن حاطة إيدها على أذنها وبتصوت.
​سليم قرب من نور، شال إيدها ببطء، وابتسم ابتسامة هادية ودافية لأول مرة: «خلاص يا سستة… المعركة خلصت، وأنتِ بقيتي في أمان.»
​نور بصت له وهي بتتنفس بسرعة، وعيونهم اتلاقت في لحظة هدوء وسط الفوضى: «يعني… خلاص؟ هترجعني بيتنا بالبيجامة الميكي؟»
​سليم قرب من ودنها وقال بنبرة فيها غموض وسحر: «ترجعي فين بس؟ إنتي خلاص بقيتي جزء من حكاية الجزار… واللي يدخل حكايتي يا نور، مابيتنسيش بسهولة.»نور بصت له وهي مش مصدقة، وشفايفها اترسمت عليها ابتسامة أهبل من كل اللي فات: «يعني إيه مش هتنساها بسهولة؟! هو أنت هتعملي اشتراك شهري في المافيا ولا إيه يا كابتن؟!»
​سليم ضحك بصوت عالي ملأ المكان، وشدها من إيدها ببطء وهو بيطلع بيها بره المخزن وسط العربيات والبوليس اللي بدأ يحيط بالمكان بعد ما سليم بلغ عن شبكة كارما كلها للجهات الرسمية من ورا الستار، عشان ينهي وجودها للأبد ويضمن إن محدش يرجع يهدد نور تاني.
​ركبوا العربية المصفحة ورجعوا تاني للشارع. الطريق كان هادي والشمس بدأت تملأ الدنيا نور.
​نور كانت قاعدة جنب سليم، بتبص من الشباك وبعدين بتبص له: «طب جد بجد بقى يا سليم… أنت هتوديني فين دلوقتي؟ بابا وماما زمانهم هيصوتوا لو مالقونيش في أوضتي!»
​سليم بص لها في المراية، ولأول مرة عينيه كانت دافية وخالية من أي غضب أو خطر: «هوصلك لحد باب بيتك يا نور… وهتنزلي عادي، وكأن مفيش أي حاجة حصلت. لابتوبك اتمسح، وموبايلك اتغير، وأي خيط يربطك بالـDark Web مقطوع للأبد.»
​نور سكتت ثواني، وحست بشعور غريب يداعب قلبها.. رغم الرعب والاقتحامات والأسلحة، حسّت إنها هتفقد شيئاً كبيراً: «يعني… مش هشوفك تاني؟»
​سليم هدى العربية ووقف قدام مدخل حارتها الهادية اللي رجعت لطبيعتها، وبص لها بنظرة عميقة، وقرب منها وسحب من جيبه كارت أسود صغير مطبوع عليه رمز غريب بالدهب، وحطه في إيدها:
​«ده تليفون صغير ومحمي… لو في يوم لقيتي نفسك زهقانة تاني وعايزة تبعتي “بحبك” لأي إيميل مجهول… متدوريش على الـDark Web يا نور. الكارت ده عليه رقمي أنا بس.»
​نور عينها لمعت بالفرحة والكسوف، وضحكت ضحكتها البسيطة: «يعني أنت طلعت رومانيسي وبتحب المفاجآت أهو! طب والله أنت أجدع زعيم مافيا قابلته في حياتي!»
​نزلت نور من العربية ببيجامتها الميكي وشبشبها الفردة الواحدة، ومشت وهي بتتطوح وبتلفت تبص له. سليم فضل واقف بالعربية، يراقبها بعينيه وهو بيشرب سيجاره، لحد ما دخلت عماراتها وأتأكد إنها بقت في أمان.
​ابتسم سليم لنفسه وقال بصوت واطي وهو بيدور العربية عشان يرجع لعالمه:
«الرسالة كانت بالصدفة… بس البنت دي كانت أحلى حاجة حصلت في حياة الجزار.»
​ بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *