حكايات محمد نور

ذهبتُ إلى المستشفى لإجهاض حملي الذي ناهز شهره الخامس.
سألتني الطبيبة عن سبب عدم رغبتي في الاحتفاظ بالطفل، فأجبتها:
— لأنني وزوجي على وشك الطلاق.
تجمّدت الطبيبة في مكانها، ثم أنزلت الكمامة عن وجهها ببطء.
شعرتُ بالدم يجمد في عروقي.
كانت “لمياء”.
الشقيقة الصغرى لزوجي.
نظرت إليّ لمياء لعدة ثوانٍ قبل أن تستطيع الكلام:
— مريم… هل يعلم “عمر” أنكِ حامل؟
— لا.
خرج صوتي هادئاً بشكل غير طبيعي.
— ولا حاجة له بأن يعلم.
فتحت لمياء ملفي الطبي وأعادت النظر إلى صورة الأشعة الصوتية:
— أنتِ على وشك بلوغ الأسبوع العشرين. هذا لم يعد إجراءً بسيطاً، هل أنتِ متأكدة تماماً؟
— نعم.
— ولكن يا مريم…
— دكتورة لمياء —قاطعتها قائلة— أنتِ الآن طبيبتي ولستِ أخت زوجي. لقد وقّعتُ الأوراق وأكّدتُ قراري.
ضغطت لمياء على شفتيها، وفي النهاية كتبت شيئاً في الملف وسلمتني التوجيهات:
— بعد غد، في الثامنة صباحاً. يجب أن تأتي صائمة، ومعكِ من يقود بكِ إلى المنزل بعد الإجراء.
— حسناً.
نهضتُ، وعندما وصلتُ إلى الباب، نادتني لمياء مجدداً:
— مريم.
لم ألتفت.
— أنتِ متزوجة من أخي منذ ثلاث سنوات. قد لا يعرف كيف يظهر ذلك، ولكنه… يحمل لكِ مشاعر في قلبه.
كدتُ أضحك.
ثلاث سنوات. ألف وخمسة وتسعون يوماً عشتها إلى جوار “عمر المنصوري”.
وكانت الجملة الأكثر تكراراً على لسانه:
“لديّ عشاء عمل الليلة، لا تنتظريني.”
إن كان هذا حباً، فلم أتعلم يوماً كيف أعرفه.
خرجتُ من المستشفى، ورنّ هاتفي.
إنه عمر.
— ستأتين معي الليلة إلى حفل استقبال، ارتدي ملابس رسمية.
بلا “أين أنتِ؟”.
بلا “كيف حالكِ؟”.
ولا حتى “أهلاً”.
على مدار ثلاث سنوات، لم تكن لاتصالاته سوى وظيفتين: إبلاغي بشيء… أو إصدار أمر لي.
— حسناً.
كانت تلك آخر مرة نويتُ فيها طاعته.
عندما عدتُ إلى القصر، كان هناك ثوب أسود معلق أمام غرفة نومنا، اختارته سكرتيرته التي كانت تعرف مقاسي أفضل من زوجي نفسه.
ارتديته ونظرتُ إلى نفسي في المرآة. كان بطني ينطق ببروز خفيف جداً، واستطاعت القماشة الداكنة إخفاء تلك الانحناءة الصغيرة تحت خصري ببراعة.
فكرتُ في نفسي: خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، سيختفي هذا السر من حياتي تماماً.
وصل عمر في الموعد المحدد بالضبط، صعدتُ إلى السيارة بينما كان يتحدث في الهاتف واكتفى بماءة رأس خاطفة للتحية.
طوال الدقائق الأربعين من الطريق، كان يتحدث عن ميزانيات الربع السنوي، والاستحواذات، ومناقصة بمليارات، واجتماع مجلس الإدارة القادم.
لم يوجه لي كلمة واحدة.
أُقيم الحفل في أحد أرقى الأندية الخاصة في العاصمة. كانت عائلة المنصوري تسيطر على مجموعة شركات تقدر بمليارات الدنانير، وكان عمر، وهو في الثانية والثلاثين من عمره، يشغل منصب المدير التنفيذي، وتتسابق المجلات الاقتصادية لوضع صورته على غلافها.
أما أنا فكنتُ مجرد “مريم الراوي”، الزوجة التي لا تحمل اسماً مرموقاً، والامرأة التي يرى الجميع أنها حظيت بنعمة استثنائية لمجرد زواجها من سليل آل المنصوري.





