حكايات محمد نور

— أنا أتخذ هذا القرار منذ ثلاث سنوات.
— إذاً لماذا بقيتِ كل هذا الوقت؟
آلمني السؤال أكثر مما ينبغي:
— لأنني كنتُ أحبك.
تجمّد عمر.
— أحببتك منذ ما قبل زواجنا، وظننتُ أنك يوماً ما ستنظر إليّ بنفس الطريقة. ولكن الانتظار يرهق المريء أيضاً.
تركتُ الظرف في يديه وقلت:
— لقد تعبتُ.
ذهبتُ إلى شقة صغيرة كنتُ قد استأجرتها سراً قبل أسابيع. لم تكن فاخرة، ولا تطل على مناظر بانورامية، لكن لأول مرة منذ ثلاث سنوات كان كل شيء داخل تلك الجدران ملكاً لي: كتبي، وصوري، وفناجيني، وقراراتي.
اتصل عمر 17 مرة في ذلك اليوم فلم أجب.
وفي الساعة التاسعة مساءً وصلني منه نص:
“يجب أن نتحدث بشأن الطفل.”
أغلقتُ الهاتف.
في الصباح التالي طُرق الباب. ظننتُه عمر، لكنها كانت لمياء.
كانت تحمل قهوة وطعاماً وقالت:
— قبل أن تطرديني، أنا لا آتي بصفتي أخت عمر.
أدخلتُها وجلسنا، فنظرت لمياء حولها وقالت:
— مكان لطيف.
— إنه صغير.
— هذا لا يعني أنه ليس جميلاً.
سلمتني النتائج الجديدة وقالت:
— أحدثكِ الآن كطبيبتك؛ النزيف استقر، ولكن بسبب موقع المشيمة، فإن أي إجراء في الوقت الحالي يتطلب تخطيطاً دقيقاً وفريقاً متخصصاً.
سألتُها وأنا أنظر إلى الورقة:
— هل ما زال الإجراء ممكناً؟
— نعم، ولكن أحتاج أن أعرف أن هذا القرار نابع منكِ أنتِ، وليس مجرد محاولة لمحو كل ما يتعلق بأخي.
شعرتُ بوخزة انزعاج:
— أنا لا أعاقب عمر.
— لم أقل ذلك.
— بل فكرتِ به.
— فكرتُ في أنكِ تعانين بمفردك منذ أشهر.
أسكتتني كلماتها. اقتربت لمياء وقالت:
— عندما اكتشفتِ الحمل لأول مرة، ماذا شعرتِ؟
تأخرتُ في الإجابة:
— الخوف.
— الخوف فقط؟
عضضتُ شفتي:
— لا.
عادت الصورة إلى ذهني: خطان ورديان، حمام ساكن، يداني ترتجفان… ثم ابتسامة صغيرة غير إرادية.
لقد ابتسمتُ حينها! وطوال أسابيع كنتُ أملس على بطني كل ليلة قبل النوم، وأبحث عن أسماء، وأقرأ عن أسرة الأطفال، واشتريتُ سراً جوارب بيضاء صغيرة.
ثم بدأ عمر يتأخر أكثر، وفي إحدى الليالي عاد في الثالثة صباحاً وكنتُ أجلس وعلى وسادتي صورة الأشعة، وعندما سألته إن كان بإمكاننا التحدث قال إنه مجهد وسنتحدث غداً، وفي اليوم التالي غادر قبل أن أستيقظ… ولم يحدث ذلك الحديث أبداً.
ثم جاء خبر عودة ريما، وسماعي لوالدة عمر وهي تقول في إحدى العزائم: “ربما الآن تعود الأمور إلى نصابها الصحيح” دون أن يعترض عمر… حينها فقط اتصلتُ بالمحامي.





