حكايات محمد نور

طوال الدقائق الأربعين من الطريق، كان يتحدث عن ميزانيات الربع السنوي، والاستحواذات، ومناقصة بمليارات، واجتماع مجلس الإدارة القادم.

لم يوجه لي كلمة واحدة.

أُقيم الحفل في أحد أرقى الأندية الخاصة في العاصمة. كانت عائلة المنصوري تسيطر على مجموعة شركات تقدر بمليارات الدنانير، وكان عمر، وهو في الثانية والثلاثين من عمره، يشغل منصب المدير التنفيذي، وتتسابق المجلات الاقتصادية لوضع صورته على غلافها.

أما أنا فكنتُ مجرد “مريم الراوي”، الزوجة التي لا تحمل اسماً مرموقاً، والامرأة التي يرى الجميع أنها حظيت بنعمة استثنائية لمجرد زواجها من سليل آل المنصوري.

عند دخولنا القاعة، وضع عمر يده على خصري. لم تكن حركة حنان، بل فرض سيطرة.

جلستُ على الطاولة الرئيسية، وقبل أن أتمكن من رشفة ماء، ظهرت امرأة أمامنا.

“ريما المعجل”.

المرأة التي أحبها عمر قبل أن يعرفني، صديقة طفولته، وابنة عائلة بنفوذ يضاهي نفوذ عائلته. عازت للتو إلى البلاد بعد خمس سنوات قضتها في أوروبا، وكانت ترتدي فستاناً أبيض ناصعاً وتحمل ابتسامة هادئة.

— عمر… كم مضى من الوقت!

نهض عمر من مجلبه على الفور.

بقيتُ أنظر إلى هذا المشهد… كانت هذه المرة الأولى خلال ثلاث سنوات من الزواج التي أرى فيها عمر ينهض لاستقبال أحد.

— ريما —قال وهو ينظر إليها— متى عدتِ؟

— الأسبوع الماضي. أردتُ الاتصال بكَ قبل ذلك، لكني ظننتك مشغولاً.

ثم التفتت إليّ أخيراً وابتسمت:

— لا بد أنكِ مريم… عمر يتحدث عنكِ كثيراً.

كدتُ أضحك، لأن هناك امرأة كان عمر يتردد اسمها كثيراً في منزلنا، لكنها لم تكن أنا قط.

— تشرفتُ بمعرفتكِ أنسة ريما.

— ناديني ريما، فنحن بحكم العائلة تقريباً.

“بحكم العائلة تقريباً”.

بَدَت كلماتها بريئة، إلى أن مالت نحو عمر وقالت بعفوية مرعبة:

— بالمناسبة… ما زلتُ أحتفظ ببيت المزرعة.

توقف عمر عن تحريك كأسه، فتابعت ريما ابتسامتها:

— البيت نفسه الذي قلتَ لي فيه إننا إن افترقنا يوماً، فستظل تنتظرني.

استمرت القاعة تعج بالأحاديث والضحكات، لكن كل شيء حولي استحال إلى صمت تام.

نظرتُ إلى زوجي، انتظرتُ أن ينفي ذلك، انتظرتُ تفسيراً، أي شيء…

لكن عمر اكتفى بالرد:

— كان ذلك منذ سنوات طويلة.

خفضت ريما بصرها بابتسامة:

— نعم… قبل أن تتشابك الأمور.

حينها فقط فهمتُ الحقيقة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *