الشك بقلم محمد نور

لأول مرة منذ سنوات، شعر عادل بالخوف.
تذكر أميرة وهي تبكي من شدة الفرح عندما أخبرته بحملها الأول.
تذكر يوم ولادة عمر.
وتذكر كيف كادت تفقد حياتها بسبب النزيف أثناء ولادتها الثالثة.
تذكر كل مرة وجدها فيها مرهقة، والأطفال الثلاثة ينامون بين ذراعيها.
كانت أميرة تبدو دائمًا أبعد امرأة يمكن أن تخونه.
هادئة.
رقيقة.
صبورة.
والزوجة التي كان الكثيرون يحسدونه عليها.
لكن أرقام التحاليل لا تعرف المجاملة.
— أستاذ عادل؟
أعادته مريم إلى الواقع.
نظر إليها للحظات، ثم قال ببرود:
— يلا بينا.
مر أمام عيادة النساء والتوليد.
ومن خلف الزجاج، لمح أميرة جالسة أمام الطبيبة، وفي يدها صورة السونار.
كانت تبتسم.
ظل عادل ينظر إلى ابتسامتها لثلاث ثوانٍ فقط…
ثم أكمل طريقه.
لم يدخل.
كان يخشى أن يسألها سؤالًا، فيسمع إجابة تهدم حياته كلها.
لكن عادل لم يكتفِ بتشخيص طبيب واحد.
في الظهيرة، ذهب إلى مستشفى آخر بمفرده، وطلب إعادة كل الفحوصات.
تحاليل الدم.
الفحوصات الجينية.
وفحص السائل المنوي.
كل شيء.
قالت له الممرضة:
— النتائج هتكون جاهزة بكرة.
رد فورًا:
— عايزها قبل الساعة عشرة الصبح.
— نقدر نحط على الملف «مستعجل جدًا».
— اعملي كده… الفلوس مش مشكلة.
عندما خرج من المستشفى، أشعل سيجارة.
لم يكن قد دخن منذ زواجه.
أميرة كانت تكره رائحة السجائر.
لكنه في تلك اللحظة لم يكن يبحث عن الراحة…
كان يبحث عن أي شيء يبعد عنه ذلك الفراغ المرعب الذي بدأ يلتهمه من الداخل.
وفجأة رن هاتفه.
أميرة.
رد.
جاء صوتها هادئًا كعادته:
— هترجع إمتى؟ أنا عملتلك الشوربة اللي بتحبها.
أغمض عادل عينيه.
— عندي عشا شغل.
— طيب، ما تكثرش شرب… وخلي السواق هو اللي يسوق.
— حاضر.
وأغلق الهاتف.
خمس سنوات…
كان يظن أنه يعيش زواجًا مثاليًا.
زوجة هادئة.
ثلاثة أطفال أصحاء.
وبيت لا يحمل أي أسرار.
لكن أثناء قيادته نحو الشركة، بدأت فكرة واحدة تنهش رأسه:
إذا كان عقيمًا… فمن كان يدخل بيته طوال هذه السنوات؟
وعندما وصل إلى مكتبه، وجد مريم لا تزال هناك.
قالت بدهشة:
— افتكرتك رجعت البيت.
وضع عادل مفاتيحه فوق المكتب.
كان صوته باردًا لدرجة جعلتها تتوقف عن الابتسام.
— عايز أعمل DNA.
نظرت إليه باستغراب.
— لمين؟
رفع عينيه إليها.
— لأولادي التلاتة.
— عمر… زياد… يوسف.
ثم مال إلى الأمام وقال ببطء:
— عايز أعرف أبوهم مين.
ساد الصمت.
احتاجت مريم لثوانٍ حتى تستوعب ما سمعته.
ثم سألت بصوت مرتبك:
— مدام أميرة تعرف؟





