المرأه التي اختفت بقلم محمد نور ١

في اليوم الذي وقعت فيه ورقة طلاقي، خرجتُ من بيته بحقيبة واحدة… وباسمٍ لم يعد اسمي
في المساء الذي وقّعتُ فيه عقد طلاقي من “عمر الكيلاني”، عدتُ للمرة الأخيرة إلى البيت الذي عشتُ فيه خمس سنوات.
كانت حقيبتي مفتوحة في منتصف غرفة النوم.
وضعتُ فيها ثوبًا طويلاً من الكتان، ودبوس شعر من خشب الصندل، وقطفتُ أجمل زهرة ياسمين من على النافذة.
لا شيء غير ذلك.
فقبل خمس سنوات، عندما وصلتُ وحيدة إلى هذه المدينة، كان هذا تقريبًا كل ما أملكه.
كان الخادم العجوز يقف بجوار الباب.
قال بحذر: «سيدي “عمر” سافر صباح اليوم إلى الرياض لبعض الأعمال… و”سارة” ما زالت في مخيمها الصيفي. إذا أردتِ وداعهم…»
— لا.
أغلقتُ سحاب الحقيبة.
— لا تُزعجهم.
عبرتُ البهو، والصلة ذات السقف العالي جدًا، والبيانو الكبير الذي ظل هناك لسنوات دون أن يلمسه أحد.
كانت الأرصاد تتوقع عاصفة.
ومع ذلك، وبمجرد وصولي إلى الباب الرئيسي، اخترقت أشعة الشمس السحاب.
ولأول مرة منذ وقت طويل، ابتسمت.
— قل شيئًا لـ “عمر” نيابة عني.
رفع الخادم نظره.
— قل له إنه اعتبارًا من اليوم، لن تتصادف طرقنا مجددًا. ولا أريد لأحد أن يعيد سرد قصتنا.
خرجت.
وحينها اكتشفتُ أمرًا مهينًا.
لقد عشتُ خمس سنوات في ذلك البيت… لكنني لم أخرج من بوابته الحديدية بمفردي قط.
لم أكن أعرف كيف أستخدم تطبيقات المواصلات الحديثة.
ولم أفهم نظام القطارات.
بل لم أعد أتذكر متى كانت آخر مرة اشتريتُ فيها شيئًا بنفسي دون أن يفعل ذلك شخص آخر لأجلي.
دخلتُ فندقًا صغيرًا على بُعد شارعين.
قلتُ لموظفة الاستقبال: «أريد الذهاب إلى الجنوب… إلى أبعد مكان يمكنني الوصول إليه الليلة».
نظرت إليّ المرأة بتمعّن: «هل تسافرين بمفردك؟»
هززتُ رأسي إيجابًا.
بحثتْ في جهاز الحاسوب، ثم قالت: «هناك قطار ليلي إلى “أسوان” في التاسعة، ولم تتبقَّ سوى مقصورة واحدة».
حينها أخرجتُ كيسًا صغيرًا من المخمل.
كان بداخله قلادة من العقيق الأبيض تركتها لي أمي قبل وفاتها.
إرثي الوحيد.
وضعتها على المنصة وقلت: «أريد استبدال هذا بشيئين: تذكرة في ذلك القطار… وضمان وصولي إليه سالمة».
تغيرت ملامح وجهها، ولم تطرح أي سؤال.
خبأت العقيق وأعطتني بطاقة: «الغرفة 620. لا تخرجي قبل السابعة والنصف».
في تلك الليلة تناولتُ عشاءً بسيطًا: طبقًا من الأرز، وخضارًا مطهوة، وسلطة دافئة.





