رهان

الحواف خشنة والخلفية مش مكتملة، كأن الرسامة توقفت لأن البطلة نفسها مش لاقية ختام لقصتها.

ليان وقفت تتأمل نفسها القديمة واللاحقة، غارقة في صمتها، تركتها صديقتها لتستقبل باقي الزوار، حتى شعرت بظل يغطّي على اللوحة. عرفت حضوره من العطر وثقل الوجود، ولم تلتفت.
قال بصوت منخفض، ويده في الجيب:
ـ التفاصيل هنا صادقة بزيادة. كأن اللي رسمتها شايفة الوجع ورا الملامح دي.

ردت ليان دون النظر مدققة في اللوحة:
_ دي قصة بنت كانت فاكرة إن العالم أوسع من مجرد شكل، لحد ما اتصدمت إن في ناس قلوبهم أضيق من خرم إبرة.

مال برأسه، ونقل نظره للجزء الرشيق من اللوحة، وبعدين بص لها مباشرة:
ـ والجزء التاني؟ ليه مش كامل؟ ليه الخيط مقطوع والقناع موجود؟
أخذت نفس عميق وقالت:
ـ مش كاملة لأنك إنت واقف قدامها دلوقتي.. اللوحة دي حكايتي أنا. أنا البنت اللي قفلت في وشها السكة لمجرد إن شكلها معجبكش، والبنت اللي واقفة قدامك دلوقتي ومش طايقة تشوفك لأنك بتفكرني بأكتر إنسان سطحي قابلته في حياتي عرفت أنا ببعد عنك ليه وبكرهك.

سكت المكان، ظهرت صدمة بسيطة في عينيه لكنه سرعان ما استعاد بروده، اقترب خطوة وهمس:
ـ كنت عارف إنها أنتي من أول لحظة في الحفلة، من روحك اللي مانستهاش يوم. تفتكري أنا جاي هنا عشان أعجب باللوحة الجديدة؟

ردت بسخرية:
ـ أكيد.. مش ده اللي بيشد أمثالكم؟
ولأول مرة، بدت ملامحه قاسية وقال:
ـ لو كنت سطحي زي ما بتقولي، كنت كسبت الجولة في الحفلة وانتهى الموضوع. أنا هنا عشان الخيط المقطوع في اللوحة دي.. أنا اللي هكمله، وبطريقتي.
نظرت له بتحدي وقالت:
ـ النهاية المرة دي مش في إيدك.. أنا اللي بكتب نهاياتي.
تركها ومشى بخطوات واثقة، لكنه وقف عند الباب والتفت:
ـ قولي لصاحبتك تجهز ألوانها.. لأن النهاية هتبقى ملكية بزيادة.
_ بتحلم؟
_هنشوف..
بقلم شروق مصطفى
بعد ما مشي، ليان فضلت واقفة مكانها، حاسة إن رجلها مش شايلاها. الكلمات كانت بتضرب في دماغها زي الجرس “النهاية هتبقى ملكية بزيادة”. يعني إيه؟ ناوي على إيه تاني؟
​صاحبتها “ندى” قربت منها وهي ملاحظة وش ليان المخطوف، وقالت بفضول:
ـ ليان، هو الأمير كان بيقولك إيه؟ وليه مشي وشكله ناوي على مصيبة؟
​ليان بصت للوحة وهي بتنهج بالعافية:
ـ عرف يا ندى.. عرف إن أنا هي البنت اللي هرب منها زمان، والمشكلة إنه مش نادم، ده بيتحدا لسه!
​ندى ابتسمت بخبث وطبطبت على كتفها:
ـ طيب ما ده المطلوب يا غبية، إحنا كنا عايزين نكسر مناخيره، بس باين كدة إن اللعبة وسعت مننا.. المهم، روحي ارتاحي دلوقتي وشوفي بكره مخبي إيه.
​تاني يوم الصبح، ليان صحيت على صوت دوشة غريبة في البيت. نزلت بسرعة وهي لسه بالبيجامة، لقت الخدم بيتحركوا في كل حتة، ووالدها واقف في الصالون بيلبس جاكت البدلة بتاعته ومنفعل جداً.
​ليان باستغراب:
ـ في إيه يا بابا؟ هو في حفلة تانية ولا إيه؟
​والدها بص لها بنظرة غريبة، ممزوجة بين الفرحة والدهشة:
ـ ليان، سمو الأمير باعت وفد رسمي من القصر، وطالبين نقابلك دلوقتي حالاً في القصر الملكي.. بيقولوا في “رد اعتبار” وقرار لازم يتاخد قدام العيلة كلها.
​ليان قلبها سقط في رجليها:
ـ رد اعتبار؟ أنا مش عايزة أروح يا بابا، مش عايزة أشوفه!
​والدها بحزم:
ـ مفيش حاجة اسمها مش عايزة، دي دعوة ملكية يا بنتي، وبعدين الأمير كلمني شخصياً وقالي إن في سوء تفاهم من سنين لازم يتحل.. اطلعي البسي، العربية مستنية بره.
​وصلت القصر، بس المرة دي مكنتش “جنيه” بزي غريب، كانت لابسة فستان أسود سمبل وراقي جداً، وقناعها المرة دي كان ثقتها في نفسها.
دخلت القاعة الكبيرة، لقت الأمراء التلاتة واقفين، وأبوهم الملك قاعد في النص، والأمير “البارد” واقف جنب أبوه بكل هيبة.
​أول ما شافها، عينيه لمعت، شاور لها تقرب، والكل سكت.
الملك اتكلم بوقار:
ـ ابني حكالي قصة عن بنت ظلمها زمان بغروره، وقالي إن البنت دي هي اللي علمته إن الروح أغلى من أي لقب.. وأنه النهاردة عايز يكمل اللوحة اللي ناقصة.
​الأمير قرب منها، وطلع من جيبه “سلسلة” دهب رقيقة جداً، فيها تعليقة على شكل “ريشة” وساعة رملية، وقال بصوت واطي سمعه الكل:
ـ الخيط المقطوع في اللوحة، أنا وصلته بالوعد ده.. زمان مشيت وسيبتك، والنهاردة أنا بطلب منك متسيبنيش.. ليان، تقبلي تكوني النهاية الملكية لقصتي؟
​القاعة كلها كانت بتبص، ليان حست إنها في حلم، بس افتكرت وجعها، بصت في عينيه وقالت بقوة:
ـ واللوحة؟ هتكملها بألوانك ولا بألواني؟
​ابتسم لأول مرة قدام الناس كلها، وقال:
ـ هنخلط الألوان سوا.. بس المرة دي، مفيش هروب.
​ليان بصت لوالدها اللي كان فخور بيها، وبصت للأمير اللي كسر كبرياؤه عشانها، وابتسمت ابتسامة هادية وقالت:
ـ الجولة دي.. مفيهاش خسران يا سمو الأمير.
​رفع إيدها وباسها قدام الكل، وكأن “الجنيه” اللي كانت لابساها في الحفلة، اتحولت لـ “عملة” نادرة مفيش ملك يقدر يشتريها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *