زوجة أخي ج٢ سهام صادق

الـــفــصــل الــخـــامــس عــــشــــر

​كانت السعادة ظاهرة على وجهه وهو يراها تتعلق به كالطفلة، لتلجمه همساتها وهي تعترف بحبها، ورغم أنها نطقت اعترافها بصوت منخفض إلا أنه قد سمعه.. فضمها إليه أكثر وهو يهمس بدفء: مكنتش متوقع إنك هتفرحي كده.
وعندما سمعت زهرة صوت همساته بجانب أذنها، وأنفاسه تحرق عنقها.. أدركت أنها بين أحضانه.. فأبتعدت عنه بخجل وهي تُحاول الهروب.
فضحك بسعادة، ولكن سريعا ما تماسك نفسه.. ليبدأ عرض المُشاغبة الذي يعشقه معها فغمز لها بأحد عينيه قائلا: هو حضني معجبكيش ولا إيه يا زهرة؟
فنظرت إليه زهرة بأعين لامعة، وأخفضت برأسها أرضاً قائلة: هو أنا هبدأ تدريب أمتا صح؟
فتأملها شريف ضاحكاً: في مثل كان بيقول الجري نص الجدعنة بس معاكي أنتي هيكون الهروب نص الجدعنة.. واقترب منها ليُطالعها عن قرب ويُربكها أكثر: وأنتي بتموتي في الهروب يا زهرة وشكلك هتتعبيني.
فطالعته بغباء وهي لا تفهم شيئاً.. فأبتسم بمشاغبة قائلاً: متأخديش في بالك.. أنا نفسي طويل جداً.
ومدّ بأنامله نحو وجهها الساكن قائلاً: هكمل شغلي، وأنتي لو عايزة تروحي تنامي مافيش مشكلة.
واتجه نحو الأريكة التي كان يجلس عليها، ليرفع حاسوبه على قدميه ثانية ويبدأ فيما كان يُتابعه…
لتقف هي في صمت وتشعر كأنها أحزنته وأخذت تلوم نفسها لجفائها هذا رغم اعترافها بحبه.. فأقتربت منه بارتباك وهي تُفكر في خطوتها تلك وانحنت بنصف جسدها نحوه لتقبل إحدى وجنتيه قائلة بخجل: شكراً أوي يا شريف.
وانصرفت من أمامه سريعاً ودقات قلبها تخفق بجنون، إلى أن دخلت غرفتها وجلست على فراشها قائلة: هو ده الراجل اللي كنت بحلم بيه دايماً، وأبتلعت غصة الماضي مُتنهدة بألم: ياريتني ما كنت عرفتك يا هشام وشوهت قلبي باهتمامك المُزيف… وتذكرت حاجتها إلى خلوتها مع الله.. فنهضت براحة وذهبت باشتياق لتلك الخلوة التي تجلس فيها مع ربها.
ولكن في تلك المرة أرادت أن تبث له عن سعادتها وكرمه وعطائه الذي ليس له مثيل.
………………………………………………………
نظرت إلى بطنها المنتفخة وهي تتزين له بردائها القصير، حتى وجدته يردف إلى حجرتهم ليُطالعها بنظرات مُتفحصة قائلاً: إيه اللي أنتي لابساه ده يا نهي؟
ليصيبها خيبة أمل فأقتربت منه قائلة: الفستان معجبكيش يا هشام؟
وعندما وجد ملامح الحزن قد ارتسمت على وجهها، صمت ليخبره عقله: أوعى تنكر إنك عايزها دلوقتي.. وبقيت تمنع نفسك منها بالعافية.. وكمان أنت مُغفل إزاي تسيب حلالك وتحرمه عليك وتفكر في إنسانة أكيد دلوقتي في حضن جوزها.
وأخذ يصور له عقله بأشياء يعيشها الآن أخوه مع حبيبته وقد فعلها مع نهي في بداية زواجه عندما كان لا يشعر بأي تأنيب إلا طفيف.
ليأتي دور قلبه يُخبره قائلاً: مش قولتلك إنك محبيتش زهرة.. خليك مع مراتك بقي وبطل تفكر فيها سيبها لحد يستهلها ولا أنت غاوي تعب؟
ليُحرك هشام رأسه بنفور من ذلك الصراع الذي أصبح يراوده.. منذ زواج أخيه من زهرة.
فأقتربت منه نهي في تلك اللحظة ترتمي على صدره قائلة: هو أنت بقيت بعيد عني كده ليه يا هشام.. وتابعت بتنهد:
رغم إن أسلوبك في المعاملة معايا بقي حنين إلا إنك بقيت تبعد عني في حاجات تانية.
ليفهم هشام مقصدها، فرفع وجهها بأنامله لينظر إلى عينيها.. وقد بدأ يستجيب لرغبة عقله..
……………………………………………………….
جلس حازم في مكتبه يُدخن وعقله سابح في عالم آخر وسط كل ما يحدث.. فعقله أصبح سيجن وهو لا يُصدق أن الحب ممكن أن يكون في النهاية مجرد أكذوبة.. وأن من أعطيناهم قلوبنا كانوا كالطوفان الذي يشتد مجراه فجأة فيقضي على كل شيء..
ليدخل فارس في تلك اللحظة عليه، ناظراً إليه بقلق:
مالك يا حازم، حالك مبقاش عجبني.
ثم نظر إلى تلك السيجارة التي يمسكها مُتابعاً حديثه: أنت مش كنت بطلت السجائر عشان خاطر جميلة؟
وعند ذكر فارس بما كان يفعله من أجلها.. تنهد حازم وهو يقف احتراماً له فرغم صداقتهم فهو مُديره.
حازم: تعبان يا فارس.
فأشار إليه فارس بيده بأن يعود لجلوسه ثانية.. قائلاً وهو يجلس على إحدى الأرائك أمامه: قبل ما الشغل يجمعنا أحنا أصدقاء.. وتابع قائلاً: احكيلي يا صاحبي.
لينظر حازم إليه وهو لا يعلم كيف سيخبر أحداً بما في قلبه ومن كان سبب فيه.. وتنهد بقوة: تفتكر الحب ممكن ينتهي بين شخصين؟
فطالعه فارس بقلق قائلاً بدعابة: أنت فيه حاجة حصلت بينك وبين جميلة، أوعى تقولي إن حصل حاجة ده أنتم قصتكم قصة أسطورية، إحنا حسدناكم ولا إيه؟
لينظر إليه حازم بتهكم قائلاً: لاء ده سؤال واحد صاحبي سألهوني.. ومعرفتش أرد عليه.. قولت أسأل حد يمكن ألاقي عنده الإجابة.
ورغم شعور فارس، بأنه لا يخبره بالحقيقة إلا أنه تنهد قائلاً: أه الحب ممكن ينتهي.. ويجي وقت علينا نسأل نفسنا إزاي كنا عاشقين لناس.. وفجأة شعورنا ليهم أتغير.
ليُطالعه حازم بألم قائلاً: حتى لو الحب ده دام سنين؟
فأبتسم فارس قائلاً بشرود: عندك قصة شريف ومريم أختي.. انتهت من زمان رغم إنهم حبوا بعض سنين طويلة.. بس في النهاية مريم اتجوزت راجل تاني.. وشريف اتجوز زهرة بنت خالتك.
وصمت للحظات ليُتابع حديثه قائلاً: وزي حكايتي مع رانيا.. لما انتهت برضه.. وابتسم مُتذكراً حبيبته القديمة التي انتهى حبهم بالفراق لتتزوج هي بابن عمها ويتزوج هو من أخرى ذات مكانة اجتماعية ونسب مُشرف من وجهة نظر أهله.
فنظر إليه حازم قليلاً.. مُتذكراً تلك الحكايات التي يعلمها.
………………………………………………………….
وقف يتأملها وهي تُهندم حجابها بعناية، وأبتسم برضى وهو يرى ما ترتديه.. لتلتف إليه زهرة بخجل قائلة: أنا جهزت أه.
فأبتسم إليها شريف بسعادة قائلاً: طب يلا يا مأخراني..
فطالعته زهرة بحب أصبح يولد بداخلها بقوة.. وأخذت حقيبتها مُتأملة أناقته التي تخطف الأنفس.. وجاء إلى ذهنها فجأة نظرة جيداء لها وهي تسأله عما فعلته لتجذب أعينه إليها ويتزوجها.. فلاحظ شريف شرودها وأقترب منها قائلاً: مالك يا زهرة؟
فرفعت وجهها إليه وكادت أن تسأله.. هل يراها جميلة ويفخر بها أم لا؟
ولكن سريعاً ما تماسك نفسه.. قائلة: مافيش…
وقبل أن تُكمل باقي عباراتها وجدته يُقبلها برقة قائلاً بخبث: كنت حابب أدوق طعم الروج.
فخجلت زهرة من فعلته.. ورغم هذا كان قلبها يدق فرحاً.. فقد أصبحت قبلته لها كالحياة وتمتمت بخفوت: بس ده مش روج ده مُلمع شفايف بس.
فأنحني عليها ثانية ليُقبلها.. وعندما ابتعد عنها وجدها كحبة الطماطم تنظر أرضاً من شدة خجلها.. ليضحك قائلاً:
تصدقي طلع صح مش روج.
ومد أنامله نحو وجهها ليرفعه قائلاً: اعملي حسابك كل ما تحطيه.. هتكون ديه العقوبة.
………………………………………………………….
وقفت أمامه في موقع الإنشاء.. تُتابع أوامره التي يخبرها للعمال.. وبعدما انصرف بعض العمال من أمامه قال: شكلك تعبتي.
لتُطالعه فرحة بإرهاق، فهي لم تكن تظن بأن عملها كمهندسة معمارية سيكون صعباً بتلك الطريقة ورغم ذلك هزت رأسها قائلة: متقلقش أنا كويسة يا بشمهندس.
لينظر إليها حازم بشك، وسريعاً ما أشاح بوجهه عنها ليُكمل عمله… وهي تقف خلفه شاردة في شخص قد أخذه الموت منها.. ولكن حركة حازم بيده وطريقة وقفته جعلتها تشعر وكأنه هو.. فأقتربت منه ودون شعور أمسكت يد حازم وكأنها تمسك يده هو.
لتهبط جميلة من سيارة الموقع وتُشاهد هذا، ناظرة بغضب مُتمتمة: بقي كده يا سي حازم وأنا اللي بلوم نفسي.. ماشي يا حازم.
وارتدت نظرتها السوداء.. لتسير بعيداً عنهم وهي تُخبر نفسها بأنها قد ملت من هذا الحب وأنه رجلاً خائناً.
أما حازم وقف مصعوقاً من تمسُكها بيده، حتى أنها لا تُريد أن تفلتها ليعلو صوته قليلاً قائلاً: آنسة فرحة، إيه اللي أنتي بتعمليه ده؟
لتفيق فرحة من تلك النوبة التي تأتيها بقربه، ناظرة ليدها التي تمسك يده بقوة قائلة بخجل: أنا آسفة والله يا بشمهندس مكنش قصدي.. وركضت من أمامه وهي لا تُصدق ما فعلته.
وهطلت دموعها بغزارة وهي تُلعن غبائها.. مُتمتمة بضعف: كده هيفتكرك إنسانة مش كويسة يا فرحة.
أما هو تمتم بضيق قائلاً: هو أنا ناقص أشتغل مع واحدة مجنونة يا ربي؟
………………………………………………………….
نظرت زهرة إلى مقر شركته بانبهار.. فقد كانت في بناية ضخمة في أرقى مناطق العاصمة الفرنسية.
لتسير بجانبه وهي تُتابع خطوات المارة بجانبها نحو مدخل البناية.
ونظرت إليه مُتذكرة بأنها من المفترض أن تذهب لمقر المكان الذي ستتدرب فيه على التصميم بمهارة.
وهمست قائلة: هو أنا جيت معاك هنا ليه يا شريف، هو أنت مش هتوديني المكان اللي قولتلي عليه؟
فوقف شريف عند المصعد ليتأملها قائلاً: ما المكان اللي هتدربي فيه هنا يا زهرة، وتابع حديثه: الشركة اللي عاملة الدورة التدريبية ديه.. شركة صديق ليا هو شاف رسوماتك وعجبته وقالي إنه شايف فيكي نظرة أمل ولو نجحتي في نظرته ليكي هتكوني من ضمن فريق المصممين عنده.
وأمسك وجهها يتحسسه عندما شعر بخوفها قائلاً بدفء: وأنا برضه شايف فيكي أمل.. وواثق إنك هتنجحي وتحققي حلمك.
فتأملته بسعادة وأعين تبرق بلمعة.. إلى أن فُتح باب المصعد.
ليردف داخله قائلاً: يلا يا زهرة.
فنظرت زهرة للمصعد بانبهار وصعدت معه وهي لا تُصدق بأن هذا يحدث معها.
وهمست بخفوت قائلة: وأنت شغلك في الدور الكام؟
فأبتسم على نبرة حديثها قائلاً وهو يضمها إليه بأحد ذراعيه: في الدورين اللي فوقيكي على طول.. الشركة ليها دورين مخصصين ليها..
فأشرق وجهها بسعادة.. وقد زال الخوف من داخلها عندما علمت بوجوده في نفس المكان.. إلا أنها تذكرت شيئاً فهتفت قائلة: بس يا شريف أنا مبعرفش أتكلم فرنسي كويس.. معرفش غير كلمات بسيطة.. إزاي هفهمهم؟
فنطق ببعض العبارات بالفرنسية فوجدها تهتف بغضب: أنت بتقول إيه؟
فضحك هو قائلاً: بقول إن كل حاجة فيكي جميلة يا زهرة.
فخجلت من عباراته.. ونظرت إليه بيأس قائلة: طب أنا هعمل إيه هنا مدام مبعرفش أتكلم فرنسي؟
فنظر في ساعة يده.. وأمسك يدها ليُغادروا المصعد قائلاً: أغلب اللي بيشتغلوا هنا عرب.. وصاحب الشركة عربي فمتقلقيش.
لتشعر هي بالدفء.. وتنظر إلى يده التي تضم يدها مُتنهدة بسعادة لا تُصدقها.
………………………………………………………….
تحولت ملامح وجهه الباردة إلى كتلة من الغضب وهو يسمعها تتحدث في الهاتف وتخبر من تُحادثه بأنها تحبه مثلما يُحبها.. ليضم حاتم قبضة يده بقوة وهو يُخبر نفسه بأنه بالتأكيد زوجها.
فتلتف مريم في تلك اللحظة شاهقة بفزع وهي تراه يقف خلفها قائلة: الأوراق اللي حضرتك طلبتها جاهزة.
لينظر إليها حاتم باحتقار، قائلاً ببرود قبل أن يردف إلى غرفة مكتبه: هاتيلي قهوتي، وهاتيهم معاكي.
وأغلق خلفه الباب بقوة.. ليسير نحو مكتبه الفخم ويسند مرفقيه عليه قائلاً بغضب: اهدي يا حاتم، اهدي.. أوعى تخلي ست تأثر فيك.. وظل عقله يوبخه على حماقته عندما جعلها تعمل سكرتيرة له وهو يعلم بأنها متزوجة ولكن يوجد حقيقة هو لا يعلمها ولن يعلمها الآن.. فهي لم تعد زوجة بل أصبحت أرملة.
…………………………………………………………
ارتدت ملابسها بعجلة بعدما استيقظت بإرهاق.. وخرجت إليه لتجده يضع الفطور على الطاولة قائلاً: يلا عشان تفطري.
فنظرت زهرة لكوب القهوة التي يرتشفها قائلة بخوف عليه: أفطر الأول وبعدين اشرب قهوتك.
فأبتسم إليها وهو ينهي كوب قهوته قائلاً: اتأخرتي في النوم يا كسلانة.
فنظرت إليه بأسف وهي تلوم نفسها على تقصيرها في واجبها كزوجة.. فهو قد استيقظ قبلها وأحضر لها طعام الإفطار حتى فنجان قهوته وكوب الشاي خاصتها قد أحضرهما.
لتهمس زهرة بخفوت قائلة: كنت بحاول أقلد التصميم اللي أدهوني مستر عمران.
فمضغ طعامه بمهل قائلاً: أمممم، طب ما توريهوني عشان أقول رأي.
وأكمل حديثه بدعابة: ولا مستر عمران بس هو اللي ليه الحق؟
فنظرت إليه زهرة بسعادة من رغبته تلك، ونهضت من مقعدها لتأتي بحقيبتها لتخرج منها التصميم.. فنظر إليه قائلاً بتشجيع: هايل يا زهرة.
وبدأ يُخبرها ببعض الإضافات التي كان من الممكن أن تضيفها وتخلق شيئاً خاصاً بها.. فلمعت عيناها وهي تستمع لكلماته قائلة بانبهار: أنت طلعت شاطر حتى في ده!
فترك شريف التصميم جانباً، وتأملها بنظرات ساحرة قائلاً بعذوبة:
عيونك بتكون جميلة أوي يا زهرة وأنتي فرحانة.. بتلمع زي النجوم في السماء لما بيغيب القمر.. ولمس وجهها بأنامله يتحسس نعومته… وهو غارق في لمعة عينيها التي تأسره!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *