زوجة أخي ج٢ سهام صادق

الفــصــل الثــامــن عــشـــر

​جلس شارداً على كرسيه يتحرك يميناً ويساراً وهو ينقر بأصبعه على سطح المكتب.. يُفكر فيها وفي رغبته أن تبدأ علاقتهما كأي زوج وزوجة.. وتذكر هروبها منه صباحاً ببعض الحجج… فنهض من على كرسيه ليقف أمام شرفة مكتبه مُتأملاً تلك المساحة الخضراء التي أمامه ويشرد في بداية علاقته بها عندما خطبها ليثبت لعائلته بأنه حقاً قد نسي الماضي وأن عزوبيته ليست بسبب صدمته في حبه الأول ولكن الحب والزواج كانا ليسوا هدفه الآن فطموحه أصبح أكبر.. لتأتي هي وتغير كل شيء.
فجاء بذهنه نصيحة صديق والده الذي كان يحبه كأبيه.. عندما أخبره بخطبته لزهرة وإحساسه بظلمه لها بما يفعله معها… فكانت نصيحته:
ساعات يا شريف يا ابني بنفتكر إن القلب مبيدقش غير مرة واحدة.. وإن لو دق تاني فبيكون وهم.. بس الحقيقة إن القلب بيدق في أي ميعاد مادام لقي الروح اللي هتؤنسه… ادي نفسك فرصة إنك تشوف الإنسانة اللي قررت تحط مصيرك معاها بهدف إنك عايز تكون علاقة صح..
وابتسم عندما تذكر ما أخبره به عن صفات زهرة.
ليضحك ذلك العجوز قائلاً: وبتقول قلبك متحركش للبنت ديه وإنك خطبتها تحصيل حاصل.. منه إنك تخلص من زن والدتك ومنه إنك تأسس ليك أسرة.. أنت بتضحك عليا ولا على نفسك يا شريف؟
نظرة عينيك اللي قدامي وأنت بتحكي لي عنها، خلتني أتأكد إن عاصفة الحب جاية..
فأفاق شريف من كل شروده هذا وهو يُتمتم بخفوت: آه منك يا زهرة..
………………………………………………………….
وقفت فرحة بخجل تُطالعه وهو مُندمج في بعض الرسومات.
فخرج صوتها بصعوبة لتخبره بوجودها هنا.
فرحة: بشمهندس حازم.
ليرفع حازم وجهه إليها ببشاشة، مُتأملاً وجهها الشاحب وملابسها الغامقة، وابتسم قائلاً: يومين عشان تقرري تيجي، لعلمك يا بشمهندسة مفيش إجازات تاني.
فابتسمت فرحة لحديثه الذي شعرت فيه بمرح غير مُعتاد عليه منه هو.
وهمست قائلة بخجل: أنا آسفة على اللي حصل آخر مرة، أرجوك متخليش الموقف ده يخليك تكون فكرة سيئة عني.
فطالعها حازم بإشفاق وعاد إلى مزاحه الذي افتقده قائلاً: هو أنتي عملتي إيه صحيح آخر مرة؟
وعندما شعر بخجلها.. تابع حديثه: أصل أنا مش فاكر غير ضربة الشمس اللي يومها أخدتها.
فتأملته فرحة بابتسامة صافية.. وهي ترى فيه صورة لشخص آخر قد اشتاقت إليه.
………………………………………………………….
ظلت زهرة شاردة طوال اليوم في تدريبها.. فنظرت إلى التصميمات التي أعطاها لها عمران كي ترى فيهم ما تستطيع تقليده ولكن بصورة أرقى.. فنظرت إلى ساعتها لترى هل وقت ميعاد راحتها قد أتى أم لا.
وبعد دقائق معدودة نهضت من على مقعدها لتذهب إليه كما اعتادت منذ أن جاءت إلى هنا.. فقد اشتاقت لتدليله وحبها له.
ورغم خوفها من ردود أفعاله كما فعل أمس وصباحاً.
ولكن اشتياقها إليه جعلها تركض كالمجنونة نحوه.
وعندما أطرقت الباب لتدخل إليه.. وجدت جيداء تقف بالقرب منه تريه بعض الأشياء..
فنظرت إلى وضعهم بصدمة، لتُطالعها جيداء بحقد.
ليرفع شريف وجهه عما كانت تريه له.
ناظراً إلى زهرة بجدية قائلاً: معلش يا زهرة.. أنا مش فاضي دلوقتي.
ورغم أنه قالها لها بضيق مصطنع إلا أنه أراد أن يُعلمها درساً..
فهو أراد أن يجعلها تدافع عن حبها مهما كان وتتعلم كيف تعطي حبها دون خجل مادام حقها.
فنظرت إليه زهرة دون تصديق.. فهو يُخبرها بعدم إرادته بأن يراها وأمام من.. أمام جيداء تلك الأفعى التي وقفت تُطالعها بنظرات سعيدة.
لتشعر زهرة بالغيرة تنهش قلبها، فأمسكت مقبض الباب وأغلقت الباب بقوة.. فيرفع شريف وجهه ثانية عن الأوراق التي أمامه.. وهو يبتسم لما حققه معها..
وانصرفت هي راكضة تحت نظرات أميلا المُتفحصة لردة فعلها.
وأخذت تُتمتم بغيرة: كده يا شريف، كده تعمل معايا كده وقدام جيداء!
وأدرفت إلى أحد الحمامات، لتتأمل وجهها وهي تتذكر نظرات جيداء لها وقربها من زوجها بملابسها القصيرة الضيقة.
وتذكرت صديقتها التي دوماً تريحها في الحديث.. فأمسكت هاتفها لتهاتفها بوجه مُحتقن من الغيرة.
لترد عليها ريم بلهفة قائلة: أهلاً بالناس الحلوة.
فتنهدت زهرة قائلة بوجع: ريم أنا تعبانة أوي.
وأخذت تقص عليها أحداث هذان اليومان.. حتى وجدت ريم تضحك قائلة: والله أنتي غبية، في واحدة تسيب جوزها مع واحدة عارفة إن عينيها عليه؟ لاء وكمان زعلانة من ردة فعله.. ما أنتي تستاهلي يا غبية.
لتشعر زهرة بالغضب من توبيخ صديقتها إليها.. قائلة بغيرة: بقولك كنت عنده وقالي إنه مش فاضي وهي كانت معاه.
فهتفت بها ريم ضاحكة: جوزك بيعرف يلعبها صح.. ديه رسالة منه يا ماما، عايز يعرفك إزاي يقدر يخليكي تموتي من القهر.. بس والله تستاهلي ما أنتي اللي بتحكيه عن الراجل بصراحة يستاهل إنك تلزقي فيه زي الدبانة بس نقول إيه هبلة.
يا بنتي جوزك ده مفيش منه نسخ كتير.. ما تسلفهوني يا زهرة!
ليحتقن وجه زهرة بالغل من صديقتها.. فهتفت قائلة: أنتي بتعكسي جوزي قدامي!
فتنهدت ريم بحنان قائلة: مادام أنتي بتحبيه وبتموتي فيه كده.. وهتموتي من الغيرة عليه ليه بتتخلي عن حبك بالهروب يا زهرة..
فدمعت عين زهرة مُتذكرة أمر هشام قائلة: أنتي ناسيه هشام يا ريم، شريف لو عرف مش هيسامحني رغم إنه ماضي.
أنا عايزة أقوله الحقيقة يا ريم وأخلص من الذنب ده اللي مخليني مش عارفة أعيش الحب اللي اتمنيته.. لو كنت أعرف إن المستقبل هيكون حلو كده مكنتش غلطت وحبيت هشام وعملت الغلط..
فشعرت بها صديقتها قائلة بدفء: زهرة انسي حكاية هشام.. هشام كان درس واتعلمتي منه.. ومحدش مبيغلطش.
حبي جوزك يا زهرة وعيشي حياتك وانبسطي.. أنتي تستاهلي إنك تحبي وتتحبي.. وأوعاكي تقولي لشريف الحقيقة.
وطمأنتها قائلة: هشام ميقدرش يجرح أخوه، وتابعت بحديثها: ومادام مقلهمش حاجة لحد دلوقتي يبقي اطمني.
لأنه في الأول والآخر هو الغلطان.. وهو اللي ضحك عليكي واستغل طيبتك يا حبيبتي.
فتنهدت زهرة براحة وهي ترى بأن كلام صديقتها حقيقي.. لتجد صديقتها تُمازحها بمرح قائلة: اعقلي واتهدي بقى.
فضحكت زهرة بسعادة على مزاح صديقتها الذي يفصلها دوماً عن أحزانها.
………………………………………………………….
بعدما أنهت جيداء كل الأوراق التي كانت تُريد بأن يطلع عليها.. نظرت إليه قائلة بخبث: زهرة زعلت منك يا شريف، ليه تحرجها كده؟
وعبثت بخصلات شعرها، وهي تجلس على سطح مكتبه تنظر إليه بشغف: ريحتك بتطير عقلي.
فتنهد شريف بضيق وهو ينهض من على مقعده قائلاً بحزم: جيداء شغلك خلص خلاص، اتفضلي على مكتبك لو سمحتِ.
لتتأمله جيداء بهدوء.. وترفع تنورتها القصيرة لأعلى.
قائلة بعملية: إمتا هنزل صور المشروع السكني الجديد ونعلن عنه؟
فيُطالع شريف ساعته بجمود.. ونظر إلى ما فعلته باشمئزاز وترك الغرفة لها بأكملها وانصرف.
فتأملت فعلته بغضب وهي لا تُصدق بأنه يرفضها ويرفض حبها وجمالها.
………………………………………………………….
جلست جميلة على فراشها تُفكر في علاقتها مع حازم وبكلام منه صديقتها.. لتجد نفسها كالتائهة.. ونظرت إلى هاتفها.
فوجدت العديد من مُكالمات حازم إليها ولكنها لم تكترث في مُهاتفته فألقت بالهاتف بعيداً.. لتتذكر وجه هشام.
وهي تُحاول أن تتذكر أين رأته.. وأرادت أن تذهب لبيت حمات أختها ثانية لعلها تراه.
لتردف إليها والدتها في تلك اللحظة قائلة بضيق: قومي فزي حازم بره، واقتربت منها لتمسكها من شعرها وهي تُتابع بحديثها: مبترديش ليه على اتصالات خطيبك، ومطنشاه.. إيه يا أختي الحب اللي بينكم خلاص مات وادفن؟
والله يا جميلة لو ما اتعدلتي لأقول لأبوكي على عمايلك وهو يتصرف.. هقوله بنتك البشمهندسة اللي بتفتخر بيها بتتنطط علينا وعلى ابن خالتها.
لتسحب جميلة شعرها من يد والدتها بصعوبة قائلة بغضب: هو البيه اشتكالك مني، ومقلكيش إن شوفته في الموقع مع واحدة وعايش حياته..
لتنصدم والدتها من تلك المعلومة فهي تعرف حب ابن أختها لابنتها.. فتنهدت قائلة: أكيد شوفتي غلط، حازم عمره ما يعمل كده.
وخرجت من غرفة ابنتها لتنفرد بالحديث قليلاً مع ابن أختها.. وهتفت قبل أن تغلق الباب خلفها: قومي ألبسي هدومك وحصليني.
لتنهض جميلة من على فراشها بغضب وهي تُتمتم: ماشي يا حازم، بتقوم ماما عليا.
………………………………………………………….
وقفت زهرة تتأمل هيئتها في المرآة بخجل وهي ترى نفسها ترتدي أحد الثياب التي قد جلبها لها.. فقد كانت عبارة عن تنورة قصيرة للغاية فوقها بلوزة بيضاء عارية الأكتاف مُلتصقة… ورغم أنها تعلم بأنها لن تستطيع أن تصل لمستوى جيداء بملابسها الفاضحة وجسدها.. لكنها قررت أن تصبح أنثى له.. تستمتع بحبه وتغنيه عن جميعهن.
فتنفست بقوة وهي تُتمتم أمام المرآة: خليكي قد قرارك يا زهرة، هتفضلي عبيطة لحد إمتا.. وكمان أنتي مش لابسة الهدوم ديه لشريف أنتي لابساها لنفسك.. ولا كان عجبك منظرك ببجاماتك الواسعة والعبايات اللي كنتِ بتلبسيها ليه؟
يا شيخة في حد لسا بيقعد بعبايات؟ ده أنتي طلعتي هبلة أوي على رأي ريم.
واستجمعت قواها أخيراً.. واتجهت نحو باب غرفتها لكي تخرج.
إلا أنها عادت ثانية تقف أمام المرآة مرة أخرى.. كي تضع بعض مساحيق التجميل وقبل أن تمتد يدها نحو علبة المكياج هتفت قائلة: لاء مش لازم مكياج.
واستجمعت شجاعتها، وكادت أن تخرج إلا أنها تركت مقبض الباب لتقف حائرة.. تنظر إلى هيئتها بعدم تصديق.
مُتذكرة أنها لم ترتدي قط ملابس مثل هذه حتى عندما كانت في بيت أهلها.. فكانت دائماً مُتحفظة في ملابسها غير أختها جميلة..
وهمست بخجل لنفسها: أعمل إيه دلوقتي يا ربي؟
فلمعت في ذهنها فكرة لتبرق عيناها، واتجهت نحو التصميم الذي عملت فيه صباحاً.. فأخذت أوراقها وأقلامها.
وفتحت الباب أخيراً لتخرج بوجه محمر.. لتجده يخرج من المطبخ يحمل كوب قهوته ويُحادث أحدهم في الهاتف وهو يضع سماعات الأذن في أذنيه.
لتقف أمامه بارتباك، فطالعها بنظرات مُتفحصة.. ثم أشاح وجهه عنها غير مبالٍ بها.
ليجلس على الأريكة كي يُكمل مُحادثته التي لم تفهم منها شيئاً بسبب جهلها لتلك اللغة التي عرفتها بكلمة واحدة فقد كانت الإيطالية.
ونظرت نحوه لتجده يجلس بثبات قد اعتادت عليه منذ خطوبته بها، وشعرت بالأسى بأنه لا يُعيرها أي اهتمام.. حتى أنها لم تجد في عينيه أي نظرات نحو ملابسها.
فحادثت نفسها بضيق قائلة: ماهو بقى متعود على الهدوم ديه وأكتر كمان، أومال أنتي فاكرة إيه؟
والتفت إليها بعدما أنهى حديثه قائلاً: مالك واقفة كده ليه؟
فاقتربت منه زهرة بسعادة.. وأخبرت نفسها بهمس قائلة: قربي منه يمكن مش واخد باله منك يا هبلة.
ليضحك شريف داخله وهو ينظر إلى حاسوبه على سذاجتها وعقلها الذي لا يرى فيه سوى عقل خام لم يلوثه شيء حتى ألاعيب النساء لا يخبر صاحبته بها.. فزوجته مازالت تحمل صفات الفتيات اللاتي أوشكن على الانقراض.
وشعر باقترابها.. فلم يرفع نظره عليها ورغم أنه كان يرغب في مُعانقتها وتقبيلها بشدة إلا أنه قرر أن يجعلها تنضج بمفردها وتتعلم كيف تُنشئ حياة خاصة بها وتُحارب من أجلها.
فجلست زهرة على الأريكة الأخرى وهي حانقة من ملامحه الباردة وعدم اهتمامه أو حتى مُجاملته لها.
فالتفت إليها شريف أخيراً، وهو يرفع أحد حاجبيه.
وقرر أن يلعب بها قليلاً قائلاً: بس غريبة اتخليتي عن بيجاماتك اللي شبه بيجامات الشاويش.. وقررتي تتعاطفي وتلبسي الهدوم اللي رامياها في الدولاب.
فارتبكت زهرة وجف حلقها من كلماته.. ليكمل مُشاكسته قائلاً وهو يتأمل هيئتها: مالك حاضنة الورق كده ليه، ولا خايفة يتسرق منك..
وضحك وهو يُتابع حديثه: ولا خايفة من حاجة تانية؟
لتخفض زهرة رأسها نحو الأوراق التي تحتضنها.. وأبعدتها عنها سريعاً قائلة بارتباك: آه.
فنظر إليها بخبث قائلاً: آه إيه؟
فهتفت زهرة به بارتباك: آه خايفة ليتسرقوا.
وعندما أدركت ما تفوهت به ورأت ابتسامته الماكرة وضعت أوراق الرسم جانباً ونهضت قائلة بتلعثم: قهوتك بردت هروح أعملك غيرها.
فطالعها شريف ضاحكاً، ونظر إلى كوب قهوته قائلاً: اهربي، اهربي.
فأسرعت زهرة بخطاها.. كي تترك له المكان وتتجه إلى المطبخ هاربة من نظراته وألاعيبه.. فشهقت فزعاً عندما وجدته يجذبها من أحد ذراعيها يُجلسها على قدميه ونظراته تلتهمها…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *