زوجة أخي ج٢ سهام صادق

الــفــصــل الــســابــع عــشـــر
نظرت إلى ملامح وجهه التي تغيرت فجأة.. فوجدته يُطالعها بنظرات عميقة بعد أن أنهى مُحادثته مع والدته نافياً لها حديثاً لم تفهمه هي.
فتأملها شريف قليلاً ناظراً إلى عينيها المُحدقتين به قائلاً: عايزه تعرفي ماما كانت بتقول إيه؟
فلمعت عين زهرة بالفضول، فنظر إليها شريف طويلاً وبدأ يتذوق الطعام بتمهل حتى قال أخيراً بعد أن لعب بأعصابها: كانت فاكراكي حامل.
فأصابتها نوبة من السعال وهي تستمع لعباراته.. حتى أعطاها هو كوب الماء الذي أمامها قائلاً بمشاغبة: مالك اتكسفتي يا زهرة، ده سؤال طبيعي لأي اتنين متجوزين.
وغمز إليها بأحد عينيه قائلاً: أظن إنه المفروض كفاية كده ونفكر في الخطوة دي.. أنا بصراحة غيرت من نسرين وهشام.
وأمسك بكف يدها بحنية قائلاً: إنتي لسا خايفة من معاملتي يا زهرة؟
ولم ينتظر منها أي إجابة حيث قرّب كرسيها بجانبه، ليعبث بخصلات شعرها بحنية، ومال على عنقها ليقبله بشوق.
هامساً بجانب أذنها بدفء أفقدها صوابها: مبتتكلميش ليه يا زهرة؟
فابتعدت عنه زهرة بملامح مضطربة ووجه يكسوه حمرة الخجل، فزوجها يتقن فن التلاعب بالقلوب… حتى قلبها أصبح خاضعاً له بإرادتها وأصبح يرغب به بشدة.. ولكن ما زال خوفها مستمراً بأن يكتشف يوماً هو الحقيقة ويتركها بعد أن غمرها بحبه واهتمامه كما فعل أخوه من قبل…
فهي تخشى من عقدة الفقد.
………………………………………………………….
نار وغيرة اجتاحت قلبه بشدة، وهو لا يُصدق ما سمعته أذناه فنهض سريعاً من جانب أخته، وأعين نهى تحاوطه بدهشة.. وكاد أن يفر من الغرفة قبل أن يسمع والدته تتحدث عن حمل زوجة أخيه وتزيد شعلة النيران التي بداخله.. فوقف ساكناً في مكانه وهو يسمع والدته تهمس داعيةً: ربنا يرزقك يا شريف يا بني بالذرية الصالحة.
لتهمس أخته نسرين بأمل قائلةً: هي زهرة حامل يا ماما؟
فتتنهد والدتها قائلةً: لسا يا بنتي، ربنا يرزقهم إن شاء الله.
فتنفس هشام الصعداء وهو يشعر بأن نيران قلبه انطفأت قليلاً.. ولكنه شعر بالوجع وهو يرى نفسه يكره أن يُنجب أخوه طفلاً.
ليسمع صوت والدته وهي تتساءل: رايح فين يا هشام؟
فيلتف ناحيتهم ويُطالع كلاً من وجه زوجته ووالدته ليتنهد قائلاً: خارج أشم شوية هوا يا ماما.
………………………………………………………….
جلست مريم بجانبه تنتظر قدوم ضيوفه.. حتى نظرت في ساعتها بتمهل قائلةً: مش المفروض يكون فيه احترام للمواعيد؟
فنظر إليها حاتم طويلاً وهو يتأمل كل إنش بملامحها، حتى قال بتلاعب: إحنا اللي جايين بدري، الميعاد الساعة 9.
فنظرت مريم إليه بصدمة قائلةً: أومال حضرتك جايبني قبل الميعاد بنص ساعة ليه؟
فلمعت عين حاتم ببريق من الجدية وتأملها على مهل قائلاً: تعرفي ليه اخترتك سكرتيرتي؟
وتابع بحديثه قائلاً: مع إني مبحبش تكون سكرتيرتي ست.
فطالعته مريم ببرود وهي ترتشف من قهوتها.. حتى قال: كنتِ أجمل ست في حفلة شاكر الزهري.. كنتِ شبه الأميرات بفستانك الأزرق.. كنت حاسس إنك خارجة من لوحة مرسومة باحتراف..
فنظرت إليه مريم بصدمة، لتتذكر تلك الحفلة التي حضرتها مع زوجها منذ خمس سنوات.
ليُكمل حاتم حديثه قائلاً: لفتي نظري مع إن من الصعب إن حد يقدر يلفت نظر حاتم الصاوي.
فهمست مريم قائلةً: أنا مش فاهمة حاجة.
فابتسم قائلاً وهو يُطالعها: بس الأميرة اللي لفتت نظر رجل الجليد كانت للأسف متجوزة.. وكان لازم ينسى الأميرة اللي ملكت عقله من أول مرة.. فضلتي شاغلة عقلي لمدة طويلة لحد ما نسيتك زي ما نسيت حاجات كتير مرت في حياتي.
بس للأسف الأميرة رجعت تاني، واشتغلت بالصدفة مع رجل الجليد.. ورجل الجليد حب يثبت لنفسه إنه نسي الأميرة.
بس للأسف رغم بروده معاها.. هو لسا فاكرها بفستانها الأزرق وضحكتها الجميلة مع زوجها.
لتتذكر مريم كل هذا، ورغم أن تلك الحفلة ذهبتها مع مجدي بالغصب.. حتى جمالها كان يخفي أول صفعة قد صفعها بها مجدي بعدما أخبرها بندمه بالزواج منها ولولا وجود شريف طفلها الذي كانت في حملها به.. لكان طلقها وتزوج بغيرها.. حتى ضحكتها في ذلك اليوم كانت ضحكة ممزوجة بالحسرة وهي تتذكر حبها الذي فقدته بسبب رغبة والديها بتزويجها بعريس لديه أموال.
فابتسمت بتهكم قائلةً: الأميرة اللي شوفتها.. هي إنسانة دمرت كل الناس اللي حوليها، كانت زي الوباء في حياة غيرها..
وكادت أن تنهض من مكانها لتنفرد بنفسها وتسمح لدموعها الحبيسة بأن تسيل كي تُطهرها أكثر.. حتى وجدت ضيوفهم المُنتظرين قادمين نحوهم.. وحاتم يقف يرحب بهم وهو يُطالعها بأعينه يخبرها بأن حديثهم ما زال له بقية.
فوقفت مريم مثله لتُرحب بهم ولكن بأعين مُنخفضة على الطاولة كي لا يرى أحد عينيها الذابلتين.. فسمعت صوت أحدهم قائلاً: مدام مريم مش معقول!
لترفع مريم وجهها وتتذكر ذلك الرجل الذي على معرفة بزوجها الراحل وأخيها.. فالتفتت نحو حاتم الذي علق نظره عليها حتى قال الرجل بأسف: معلشي مقدرتش أجي أعزي في مجدي الله يرحمه كنت مسافر.. البقاء لله.
فهمست مريم بخفوت: ولا يهمك..
ليسمع حاتم ذلك الاسم مُتذكراً يوم الحفل عندما أخبره أحد معارفه باسم زوجها.. فنظر إليها دون تصديق وهو يهمس داخله: مريم أرملة؟
………………………………………………………….
نظرت فرحة إلى هاتفها الذي يدق بوجه شاحب وهي لا تُصدق بأنه يهاتفها.. فظل يدور عقلها بما فعلته معه في الموقع.. ومع تكرر رنينه.
أخيراً قررت أن تجيبه، وفتحت الخط.. ليسمع صوت تنهيدتها حتى قال: إزيك يا فرحة؟
لتهمس فرحة قائلةً: الحمد لله بخير يا بشمهندس.
فابتسم حازم قائلاً: آسف على رد فعلي آخر مرة.
فوجدها تُقابل أسفه بندم قائلةً: أنا اللي آسفة.
وصمتت قليلاً لتُكمل حديثها قائلةً: أنا بلغت فارس إني هسيب الشغل خلاص.
فهتف حازم بها سريعاً قائلاً: أوعي تهربي من الحقيقة بهروب.. وقبل أن يغلق معها الخط قال بجدية: بكرة عايز أشوفك في الشركة يا فرحة، مفهوم؟
وأغلق الخط.. لتنظر هي إلى هاتفها بملامح تائهة في حديثه.
وتنهدت بعمق وهي تتذكر ذكريات حبها وعشقها بوجع.
………………………………………………………….
انتهى ذلك العشاء بثقل جعلها تشعر وكأنها قضت فيه عمرها بأكمله، وعندما وجدت حاتم يُصافح ضيوفه.. أمسكت بحقيبتها وكادت أن تفر من أمامه إلا أنه أمسكها قائلاً بحزم: استني يا مريم إحنا لازم نتكلم.
فنظرت إليه مريم قليلاً، وتذكرت كل الرجال الذين دخلوا حياتها وخسرتهم.. فحركت رأسها بالرفض.
وركضت من أمامه سريعاً، وهي لا تُصدق بأن حاتم يعرفها منذ سنين واليوم أخبرها بحقيقة معرفتها بها وعلمت بسبب معاملته الباردة معها.. فكأنه كان يُعاقبها لأنها كانت زوجة لرجل آخر.
………………………………………………………..
ذهبت إلى مكتبه بوجه مبتسم.. ليرفع شريف وجهه نحوها قائلاً بتنهد: شايفك مبسوطة النهاردة.
فابتسمت إليه زهرة بسعادة ونطقت بحماس: مستر عمران قالي النهاردة إني بتطور بسرعة، وإني كمان هكون مُصممة هايلة.
وظلت تقص عليه كل ما مرت به اليوم بحماس.. حتى وجدته يقترب منها يجذبها من خصرها بذراعيه ليتأمل ملامحها عن قرب.. فارتبكت من قربهما هذا وصمتت.
ليبتسم شريف لما ينتج عن أفعاله تلك.. وانحنى قليلاً كي يلتقط من شفتيها قبلة رقيقة قائلاً: وقفتي كلامك ليه؟
فتنفست زهرة بصعوبة بسبب ما يفعله معها، وهمست قائلةً: إنت بتحب تكسفني ليه يا شريف؟
فضحك هو بسعادة، فأخيراً عقلها بدأ يفهم ألعابه الماكرة التي أصبح يعشقها معها بسبب خجلها قائلاً: ومين قالك إني بحب أكسفك.. إنتي اللي بتحمري وبتتكسفي بسهولة يا زهرة.
واقترب من إحدى أذنيها ليهمس لها بكلمات قد أخجلتها.
فرفعت زهرة يدها نحو وجهها لتلمسه قائلةً بخجل: هي الدنيا بقت حر كده ليه؟
فطالعها هو ضاحكاً لأفعالها التي تجعله يرغب بها أكثر، حتى وجدته ينحني ثانيةً ليقبل كلاً من وجنتيها.
وبعدما ابتعد عنها همس قائلاً: مطلعتيش سخنة ولا حاجة.
وعندما رآها مصدومة من فعلته.. تنهد قائلاً وهو يرغب في تكرار فعلته: تعالي أما أشوف حرارتك تاني.
لتبتعد عنه زهرة سريعاً قائلةً بارتباك: أنا عملت سندوتشات ليا وليك، تعالي ناكل.
فنظر لها بدهشة وهو يراها تخرج من حقيبتها كيساً به بعض السندوتشات فضحك قائلاً: هو إحنا رجعنا المدرسة ولا إيه يا زهرة؟
فأقتربت منه كي تعطيه أحد السندوتشات التي صنعتها إليه قائلةً بحزم مصطنع: خد كل.
فضحك على عباراتها هذه حتى قال: خد كل، في ست عسولة كده وبتحمر لما بتتكسف تقول لجوزها خد كل بالطريقة دي؟
فضحكت زهرة على فعلتها.. فهي عندما نطقتها كانت كالمتوحشة واقتربت منه أكثر كي تُجبره على تناوله.
ليضحك قائلاً: تعرفي إن أكتر حاجة كنت بكرهها وأنا صغير جو السندوتشات ده.
واقترب منها قائلاً بمشاغبة وهو يُطالع ذلك السندوتش الذي بيدها: وموافق أكله يا ستي بس بشرط.
فنظرت إليه زهرة بخوف من شرطه.. حتى ابتسم قائلاً: إنتي اللي تأكليهوني.
وظلت تُطالعه للحظات.. فقرّبها هو منه يرفع يدها نحو فمه وبدأ يتلذذ بطعمه.. فتأملته بابتسامة صافية وبدأت تطعمه بحب.. حتى فُتح الباب فجأة.
لتدخل جيداء مُتأملةً هيئتهم بغل، ليلتف نحوها شريف قائلاً بجدية: مش المفروض من الذوق تخبطي قبل ما تدخلي يا جيداء؟
فحاولت زهرة إبعاد نفسها عنه، ولكنه ظل مُتشبثاً بها يمنعها من الحركة.
فنظرت جيداء نحو زهرة بحقد قائلةً وهي تقترب: سوري يا شريف مكنتش أعرف إنك هنا مع المدام.
………………………………………………………….
فرّت هاربة من أمامه وهي تشعر بالحماقة من تصرفاتها.
فهي زوجته وبدل أن لا تتركه بمفرده مع تلك الحرباء جيداء.. كان لابد أن تقف تُحارب عن حبها ولكن دوماً كانت كالجبانة كما كانت تُلقبها جميلة أختها.
لتسمع صوت رامز خلفها وهو يسألها عن أخبارها: إزيك يا زهرة؟
وعندما لاحظ شحوب وجهها، نظر إليها قائلاً: إنتي تعبانة يا زهرة؟
وابتسم بود أخوي لها وتابع بحديثه: تعالي نشرب حاجة في أوضة المكتب.
لتسير زهرة خلفه وهي غير شاعرة بأقدامها فعقلها ظل معهم في غرفته.
………………………………………………………….
كاد أن يتخطى جيداء ويخرج من الغرفة خلف زوجته الحمقاء التي هربت من أمامه وكأنها ليس لها حق به.
لتقف جيداء أمامه قائلةً: زهرة دي متنفعكش يا شريف، زهرة ضعيفة وجبانة في حبها ليك..
واقتربت منه كي تُقبله على شفتيه، ولكنه أبعدها بقوة من أمامه قائلاً بغضب: إنتي اتجننتِ يا جيداء، أنا محترم بس صداقتنا القديمة والقرابة اللي بينك وبين رامز.
وكادت أن تتكلم جيداء.. فأوقفها بإشارة من أصبعه قائلاً بحزم: وجودك هنا شغل وبس، مفهوم؟
لتُحرك جيداء رأسها بصدمة من رد فعله الذي أصبح قوياً معها بعدما تزوج.
…………………………………………………………
نظرت زهرة للمشروب الذي أمامها بشرود.. وهمست أخيراً: هو شريف كان بيحب جيداء؟
فتأملها رامز للحظات وهو يُفكر في سر سؤالها هذا حتى تنهد قائلاً: هو شريف مقلكيش عن علاقته بجيداء؟
فطالعته زهرة بوجه شاحب قائلةً: قالي إن ما فيش حاجة بينهم.
فأمسك رامز القلم الذي أمامه قائلاً: يبقى متفكريش كتير يا زهرة، وتأكدي إن شريف عمره ما هيخدعك.. وفكري إزاي تحافظي عليه.
فظلت جملته تقتحم عقلها وقلبها وهما يُهاجمانها.. بسبب ضعفها وعدم قدرتها أن تتحرر من خوفها الذي سيهدم حياتها.
………………………………………………………….
نظرت جميلة إلى كل ركن من أركان بيت حماة أختها بتمهل، فاليوم قد قررت هي ووالدتها أن يذهبوا إليهم كي يباركون لهم على المولود الجديد..
فابتسمت والدة شريف وهي ترى نهى قادمة نحوهم.. لتُعرفهم عليها وتخبرهم بأنها زوجة ابنها الآخر الذي يعيش في شرم الشيخ ولديه أحد المنتجعات.
وبعد أن استمرت العائلة في الحديث.. أردف هشام باتجاههم ليرحب بهم، فكانت المرة الأولى التي يتعارفوا فيها عليه.
وعندما وقعت عين جميلة عليه وهو يمد إليها يده ليُصافحها.
شعرت بأن وجهه مألوف عليها.. فظلت تُحدق به للحظات حتى قالت بتساؤل: هو إحنا نعرف بعض قبل كده؟
فنظر إليها هشام بتحديق بعدما استشعر بأن جميلة من الممكن أن تعرفه..
فعم الصمت للحظات ونظرات نهى متعلقة به.. حتى وجد هاتفه يرن ليجد مخرجاً من هذا اللقاء.
ولكن جميلة ظلت مُسلطة نظراتها عليه.. وهي تُفكر أين رأته.. وظل عقلها يدور هنا وهناك يبحث عن ذلك الوجه.
………………………………………………………….
وقفت أمامه بارتباك كي تسأله عن سبب صمته معها منذ ليلة أمس.. فهمست بخفوت: شريف إنت زعلان مني؟
فنظر إليها شريف للحظات يتأمل ملامحها الحزينة، حتى قال ببرود: يلا يا زهرة افطري عشان هنتأخر.
فطالعته بألم وهي ترى تغيره معها وكل ذلك بسببها هي.. وحركت رأسها برفض قائلةً: ماليش نفس، مش عايزة أفطر.
فأمسكها شريف من ذراعيها ليجلسها على المقعد قائلاً بجدية: افطري أنا مش عايز دلع.. سامعة؟
فتمالكت دموعها بصعوبة وهي تراه يُعاملها بجفاء، رغم أنها تعلم بأنها تستحق ذلك.. فهي تركته عندما وجدت جيداء تقترب منه.. فقد كان ينتظر منها دفاعاً عن ملكيتها فيه ولكن قد خذلته وفرت من أمامه.
وهمست بضعف قائلةً: شريف..
فوجدته يرتدي سترته وبعدها وقف يُطالع ساعته دون أن يلتف إليها.
فنهضت من على مقعدها وقد شعرت بأن وقتها قد جاء من أجل أن تثبت له حبها وتبتعد عن مخاوفها في علاقتهما.. فهو أعطاها كل شيء ولكن بغبائها ستخسره.
واقتربت منه لترتمي في حضنه حيث أصبح أكثر مكان تشعر فيه بالأمان وهمست: أنا آسفة يا شريف.
ورغم غضبه منها، ضمها بذراعيه وظل يربط على ظهرها بحنان وهو يهمس بجدية: جه الوقت اللي علاقتنا لازم تكون جدية يا زهرة ونكون كأي زوج وزوجة.
فابتعدت عنه زهرة قليلاً لترى في عينيه الإصرار……





