سر المفتاح حكايات محمد نور

—
## الجزء الثاني
كان الموتيل المغمور القريب من محطة القطار بمثابة غرفة عملياتي. كانت لافتة النيون الحمراء خارج النافذة تومض باضطراب، لتلقي بظلالٍ قاسية على السجادة المتهالكة. كانت الساعة قد تجاوزت الحادية عشرة ليلاً؛ وهو الوقت الذي أستيقظ فيه عادةً لأقلّب «أمينة» في فراشها الطبي منعاً لتقرحات الفراش. كان الصمت الشديد في الغرفة يثقب الأذنين.
فتحتُ حقيبة سفري واستخرجتُ جهازاً لوحياً قديماً، كنا نستخدمه أنا وزوجي طارق قبل أن يشتري أحدث الموديلات. وبمجرد اتصاله بشبكة الموتيل الضعيفة، انهالت الإشعارات المزامنة لبريده الإلكتروني على الشاشة. طارق، الذي لا يفقه شيئاً في التكنولوجيا، نسي تماماً إلغاء ربط بريده الأساسي بهذا الجهاز.
لفت انتباهي عنوان إحدى الرسائل:
`تم الخصم: منتجع ماوي الفاخر – 3,500 دولار`
كان التوقيت يتطابق تماماً مع الدقيقة التي توقف فيها قلب أمه «أمينة» عن النبض!
لم أبكِ، بل سرت في صدري موجة من الغضب البارد المحسوب.
فتحتُ تطبيق الرسائل المستمر بالعمل. كانت هناك رسالة غير مقروءة من «أميرة»، شقيقة طارق، والتي تهربت من حضور الجنازة بحجة أنها تعاني من صداع نصفي.
كتَبَت فيها:
> «مريم، هل طارق في رحلة عمل حقاً؟ إحدى صديقاتي رأته للتو في المطار مع فتاة أشقر! لا بد أن هناك خطأ ما، أليس كذلك؟»
أكاذيبه المغرورة المترهلة بدأت تتكشف وتنهار. تذكرتُ المعاملة القاسية التي تلقيتها من أقاربه قبل ساعات قليلة في العزاء؛ عمّه «سليمان» الذي تفوح منه رائحة الكحول المقززة وهو يصرخ بي: «جنازة تخلو من الابن الأكبر وصمة عار! من الواضح أنكِ فشلتِ في الاتصال به يا مريم!»، وعمّته «نعيمة» التي قالت بسخرية: «من الأرجح أنكِ طردتِهِ بغبائكِ وشدة إزعاجكِ».
لقد صلبوني بجهلهم، غير مدركين أن الرجل الذي يدافعون عنه كان يشرب المشروبات على الشاطئ برفقة عشيقته.
في الصباح التالي، وارتداءً لبدلة رسمية كحيلة، وصلتُ إلى بناية مكاتب هادئة من الآجر الأحمر وسط المدينة. كانت اللوحة النحاسية على الباب تحمل اسم: «الأستاذ منصور – محامٍ»؛ ذلك الرجل الأنيق والمهيب الذي اقترب مني بعد انتهاء العزاء وتفرق الأقارب الأقساء، ليعاملني بصفتي الإبنة الحقيقية التي لم تلدها «أمينة».





