المليونير بقلم ميرا احمد

عمال بيركبوا الزينة، وشيفات بيجهزوا البوفيه، ومنظمين بيحطوا الطاولات في أماكنها.

ولا حد انتبه لعامل التوصيل الجديد.

حط الكراتين في المخزن، لكنه سمع صوت بكاء خافت جاي من الممر.

لف ناحية الصوت.

كانت ليان واقفة لوحدها، ماسكة عصفور زجاج صغير كان فوق ترابيزة جانبية.

كانت بتبصله بإعجاب بريء.

وفي نفس اللحظة…

دخلت يارا.

وقفت قدام الطفلة، وسحبت التمثال من إيديها بعنف.

ـ “إوعي تلمسي الحاجات دي.”

ارتبكت ليان، ورجعت خطوة لورا.

قالت بصوت متقطع:

ـ “أنا… ببص بس.”

ردت يارا ببرود وهي بتنفض التمثال كأنه اتلوث:

ـ “مش كل حاجة تشوفيها يبقى من حقك تلمسيها.”

وصلت إيمان تجري.

ـ “حقك عليا يا فندم… والله ما كنت واخدة بالي.”

لكن يارا ما بصتلهاش.

كانت عينيها كلها احتقار وهي بتبص للبنت الصغيرة.

وقالت الجملة اللي خلت قلب مراد يتجمد مكانه:

“البنت دي مالهاش مكان في بيت زي ده.”

ساد صمت ثقيل.

ليان نزلت إيديها الصغيرة ببطء، وبصت للأرض من غير ما تفهم كل الكلام…

لكنها فهمت إنها غير مرغوب فيها.

في اللحظة دي…

مراد حس إن كل الذكريات الجميلة مع يارا بدأت تتكسر قدام عينه.

افتكر ابتسامتها.

افتكر دموعها يوم وافقت على الجواز.

وافتكر كلام أمه:

“البنت دي باصة لك كإنك أهم من فلوسك.”

لكنه دلوقتي كان شايف وشًا تاني…

وشًا عمره ما ظهر قدامه.

إيمان حاولت تمسك دموعها، وهمست لبنتها:

ـ “تعالي يا حبيبتي.”

لكن ليان ما اتحركتش.

كانت لسه باصة للعصفور الزجاجي.

مراد ضغط على إيده بقوة.

كان نفسه يكشف هويته في اللحظة دي…

لكن جزء منه قال:

“استنى… الحقيقة لسه مخلصتش.”

فخفض رأسه من جديد…

ورفع الكرتونة الفاضية…

وتحرك كأنه مجرد عامل توصيل لا يساوي شيئًا في نظر الجميع.

أما في داخله…

فكان قرار كبير بيتكوّن.

قرار ممكن ينهي الخطوبة…

قبل الفرح بثمانية أسابيع.مراد دخل المطبخ الخلفي وهو مخبي غضبه.
كان قادر يدخل الصالة في أي لحظة، يخلع الكاب، ويقول بصوت يسمعه الكل:
ـ “أنا مراد الدمنهوري.”
لكن ده كان هيخليه يسمع اعتذارًا…
مش الحقيقة.
وقف يشرب كوباية مياه، بينما كان الطهاة بيجهزوا الأطباق.
بعد دقائق، دخلت يارا.
أول ما شافت عامل التوصيل واقف، قالت من غير حتى ما تبص في وشه:
ـ “إنت… الكراتين دي تتنقل فوق، وممنوع تستخدم المصعد الرئيسي. في مصعد خدمة.”
رد بهدوء:
ـ “حاضر.”
ثم سألها وهو متعمد يطول الكلام:
ـ “هو الحفل للأطفال اليتامى، صح؟”
قالت وهي بتراجع كشف الضيوف:
ـ “أيوه.”
ـ “يبقى ممكن البنت الصغيرة تحضر؟ شكلها فرحتها كبيرة.”
رفعت عينيها لأول مرة، وقالت ببرود:
ـ “دي بنت العاملة.”
سكت لحظة.
فأكملت:
ـ “إحنا عاملين الحفل للأطفال المدعوين… مش لأي حد يدخل من الشارع.”
قال:
ـ “بس هي طفلة.”
ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
ـ “في فرق بين أطفال الضيوف… وأطفال الخدم.”
الجملة نزلت على قلبه كالحجر.
وفي اللحظة نفسها، دخلت إحدى منظمات الحفل وقالت:
ـ “مدام يارا، الصحفيين وصلوا.”
وفجأة…
اتغير وش يارا بالكامل.
ابتسمت ابتسامة دافئة، وعدلت شعرها، وقالت بصوت مليان حنان:
ـ “استقبلوهم بسرعة… والأطفال أول ما يوصلوا وزعوا عليهم الهدايا.”
راقبها مراد في صمت.
منذ ثوانٍ كانت تحتقر طفلة بريئة…
والآن أصبحت ملاكًا أمام الكاميرات.
خرجت يارا، بينما وقف هو مكانه لا يتحرك.
اقترب منه الشيف الكبير وهمس:
ـ “إوعى تزعل من كلامها… إحنا متعودين.”
التفت إليه مراد.
ـ “متعودين؟”
هز الرجل رأسه بأسف.
ـ “كل ما يبقى فيه صحافة أو رجال أعمال، تعاملنا كأننا أسرة واحدة. أول ما يمشوا… ترجع شخصيتها الحقيقية.”
وقبل أن يرد…
سمع صوت ارتطام قوي في الخارج.
جرى الجميع نحو الجنينة.
كانت ليان واقعة على الأرض تبكي…
والعصفور الزجاجي الذي كانت تحبه قد تحطم إلى عشرات القطع.
وقفت يارا تصرخ في إيمان:
ـ “قلتلك متجيبيهاش هنا!”
إيمان احتضنت ابنتها وهي تبكي:
ـ “والله يا فندم هي ما عملتش حاجة… اتعبلت ووقعت.”
لكن يارا أشارت نحو الباب وقالت بحدة:
ـ “خديها وامشي دلوقتي… ولو رجعتي بيها تاني، اعتبري نفسك مفصولة.”
ساد الصمت.
وفي تلك اللحظة…
خلع مراد الكاب ببطء.
ثم فك بطاقة الاسم المكتوب عليها “كريم محمود”.
ورفع رأسه.
أول من عرفه كان مدير شركة التنظيم.
شهق وقال بصوت مرتفع:
ـ “أستاذ مراد؟!”
تجمدت يارا في مكانها.
وبدأ لون وجهها يختفي…
لأنها أدركت أخيرًا أن “عامل التوصيل” الذي كانت تهينه…
هو الرجل الذي كانت تستعد للزواج منه.شهقت يارا، وتراجعت خطوة للخلف.
ـ “مراد…؟!”
سقطت بطاقة “كريم محمود” من بين أصابعه على الأرض.
كل الموجودين وقفوا مكانهم.
مدير التنظيم انحنى برأسه فورًا.
والعمال بصوا لبعضهم في ذهول.
أما إيمان…
فكانت لسه ضامة ليان وهي مش مستوعبة اللي بيحصل.
مراد ما بصش ليارا.
اتجه مباشرة نحو الطفلة الصغيرة، ونزل على ركبة واحدة قدامها.
ابتسم بهدوء وقال:
ـ “إنتِ كويسة يا ليان؟”
هزت رأسها بخوف.
بص إلى يدها، لقاها فيها خدش صغير من الزجاج.
طلع منديل من جيبه، ولفه حوالين صباعها برفق.
ثم قال:
ـ “العصفور اتكسر… بس إنتِ أهم منه.”
ابتسمت ليان لأول مرة من وقت طويل.
بعدها وقف، والتفت ناحية يارا.
كانت بتحاول تبتسم.
ـ “مراد… والله الموضوع مش زي ما شفت.”
سألها بهدوء أخطر من أي صراخ:
ـ “إيه اللي أنا ما شفتوش؟”
سكتت.
ـ “شفتك بتهيني طفلة عندها ثلاث سنين.”
ـ “أنا كنت متوترة بسبب الحفل.”
ـ “والتوتر بيخلي الإنسان يحتقر الناس؟”
قالت بسرعة:
ـ “أنا كنت خايفة تكسر التحف.”
رد من غير ما يرفع صوته:
ـ “لو كانت بنت وزير… كنت هتكلميها بنفس الطريقة؟”
نزلت عينيها للأرض.
عرفت إنها ما عندهاش إجابة.
اقترب مراد خطوة.
ـ “إيمان.”
ارتبكت العاملة.
ـ “أفندم.”
ـ “من النهارده… إنتِ مش عاملة نظافة.”
فتحت عينيها بصدمة.
افتكرت إنه هيطردها.
لكن مراد أكمل:
ـ “من بكرة هتشتغلي في قسم متابعة الخدمات الداخلية بالمقر الرئيسي. المرتب هيزيد، وهيكون عندك تأمين صحي ليكي وليليان.”
انهمرت دموع إيمان.
ـ “بس… أنا ماعنديش شهادة.”
ابتسم.
ـ “الأمانة والأخلاق أهم من أي شهادة.”
ثم التفت إلى مدير الموارد البشرية الذي كان قد وصل بعد سماع الضجة.
ـ “نفذ القرار النهارده.”
ـ “حاضر يا فندم.”
يارا صرخت:
ـ “إنت بتعمل كل ده علشان عاملة؟!”
نظر إليها لأول مرة.
لكن نظرته كانت باردة بشكل لم تعرفه من قبل.
خلع خاتم الخطوبة من إصبعه.
ووضعه فوق الطاولة الزجاجية.
صدر صوت خفيف…
لكن وقع الصوت كان كأنه انفجار.
قال بهدوء:
ـ “أنا كنت بدور على زوجة تشرفني قدام ربنا قبل الناس.”
سكت لحظة.
ثم أكمل:
ـ “الإنسان الحقيقي بيتعرف من طريقته مع اللي ما يقدروش يفيدوه.”
بدأت دموع يارا تنزل.
ـ “أرجوك… اديني فرصة.”
هز رأسه بالنفي.
ـ “الفرصة كانت موجودة قبل ما تقولي لطفلة إنها مالهاش مكان.”
استدار ناحية الباب.
وقبل ما يخرج…
وقف لحظة وقال من غير ما يلف:
ـ “حفلة الخير اتلغت.”
ساد الوجوم في المكان.
وأضاف:
ـ “التبرعات كلها هتروح لمستشفى الأطفال باسم والدتي… من غير كاميرات… ومن غير صحافة.”
ثم أمسك بيد ليان الصغيرة.
وسألها بابتسامة:
ـ “تحبي تركبي العربية الصفرا معايا؟”
ضحكت ليان وهي هزت رأسها بحماس.
ولأول مرة منذ سنوات…
شعر مراد أن القرار الأصعب…
كان أيضًا القرار الصحيح.مرّت ثلاثة أيام…
والخبر انتشر في دوائر رجال الأعمال أسرع من أي بيان رسمي.
“مراد الدمنهوري ألغى زفافه قبل ثمانية أسابيع.”
لكن محدش عرف السبب الحقيقي.
مراد رفض يطلع أي تصريح.
ولما الصحفيين سألوه، اكتفى بجملة واحدة:
ـ “في قرارات، احترام الناس ليها أهم من شرحها.”
أما يارا…
فكانت بتحاول توصله كل يوم.
أكتر من خمسين مكالمة.
ورسائل طويلة كلها اعتذار.
لكنه ما ردش ولا مرة.
في صباح اليوم الرابع…
دخل مراد مقر الشركة الرئيسي.
استقبله مدير الموارد البشرية بابتسامة.
ـ “إيمان بدأت شغل النهارده.”
ابتسم مراد.
ـ “ومبسوطة؟”
ـ “كانت خايفة في الأول… لكن الفريق كله رحب بيها.”
في نفس اللحظة…
كان فيه حد صغير بيجري في الممر.
ليان.
كانت لابسة فستان أصفر، وجارية وهي شايلة نفس العربية اللعبة.
أول ما شافت مراد، رفعت العربية وقالت بفرحة:
ـ “بص… صفرا.”
ضحك لأول مرة من قلبه من أيام.
نزل لمستواها وقال:
ـ “لسه محافظين عليها؟”
هزت رأسها بحماس.
إيمان اقتربت بسرعة وهي محرجة.
ـ “آسفة يا فندم… الحضانة اتأخرت ساعة، فاضطريت أجيبها معايا.”
رد بابتسامة:
ـ “وجودها مش مضايق حد.”
ثم أخرج من درج مكتبه علبة صغيرة.
فتحها.
كان بداخلها عصفور زجاجي جديد، لكنه مصنوع من زجاج غير قابل للكسر.
قدمه إلى ليان.
قال:
ـ “فاكرة العصفور اللي اتكسر؟”
هزت رأسها.
ناولها العصفور.
ـ “ده بتاعك.”
أخذته بحذر شديد.
ثم حضنته بدل ما تلعب بيه.
سألت ببراءة:
ـ “مش هيتكسر؟”
ابتسم مراد وقال:
ـ “لا… لأن في حاجات اتعملت علشان تفضل.”
اغرورقت عينا إيمان بالدموع.
همست:
ـ “عمري ما هعرف أرد جميلك.”
هز رأسه بهدوء.
ـ “رديه بطريقة واحدة.”
ـ “إيه هي؟”
ـ “خلي ليان تكبر وهي عمرها ما تحس إنها أقل من أي حد.”
سكتت إيمان، ثم قالت بثبات:
ـ “أوعدك.”
وفي المساء…
أصدر مراد قرارًا جديدًا داخل شركاته.
ينص على إنشاء حضانة مجانية لأطفال جميع العاملين، من غير تفرقة بين مدير وعامل نظافة أو سائق أو موظف.
وعلّق في مدخل كل فرع لوحة صغيرة كتب عليها:
“قيمة الإنسان لا يحددها منصبه… بل أخلاقه.”
ولما قرأ الموظفون العبارة…
كان معظمهم يعرف أنها لم تُكتب بالحبر…
بل كُتبت من موقف واحد، غيّر حياة الجميع.بعد شهرين…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *