المليونير بقلم ميرا احمد

اغرورقت عيناه بالدموع.
همس:
ـ “دلوقتي فهمت ليه ربنا خلاني أشوف اللي حصل مع ليان.”
ابتسمت أمه.
ـ “علشان ما تنساش الطفل اللي كنته.”
نظر مراد إلى ليان وهي تركض في الحديقة مع باقي الأطفال، تضحك من قلبها.
ثم طوى الصورة ووضعها في محفظته.
وقرر أنها ستبقى معه دائمًا…
لتذكره أن أعظم ثروة لم تكن يومًا في حسابه البنكي…
بل في قدرته على حماية كرامة إنسان، حتى لو كان طفلًا صغيرًا لا يملك من الدنيا سوى لعبة صفراء وابتسامة بريئة.وبعد خمس سنوات…
كان مبنى الشركة قد اتوسع مرتين.
وأصبح برنامج رعاية أبناء العاملين نموذجًا بدأت شركات أخرى تقلده.
لكن أكثر مكان كان مراد يحب يزوره…
لم يكن مجلس الإدارة.
ولا مكتبه في الدور الأخير.
كان فصل الروضة داخل حضانة الشركة.
دخل صباح أحد الأيام، فاستقبلته المعلمة بابتسامة.
ـ “حضرتك جيت في وقت مناسب.”
ابتسم مراد.
ـ “ليه؟”
قالت وهي تشير إلى الأطفال:
ـ “النهارده سألتهم: كل واحد نفسه يبقى إيه لما يكبر.”
ضحك.
ـ “وقالوا إيه؟”
ـ “طيار… دكتور… مهندس…”
ثم أشارت إلى طفلة كانت ترفع يدها بحماس.
ليان.
كانت قد بلغت الثامنة من عمرها.
ابتسمت وهي تقول:
ـ “أنا لما أكبر… هبقى مديرة.”
ضحك الأطفال.
فسألتها المعلمة:
ـ “مديرة إيه؟”
أجابت بثقة:
ـ “أي مكان… بس لازم محدش يعيط فيه.”
ساد الصمت.
نظر مراد إلى الأرض للحظة.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
اقترب منها وقال:
ـ “وليه محدش يعيط؟”
ردت ببساطة:
ـ “لأن الناس لما تتعامل كويس… بتشتغل وهي مبسوطة.”
ابتسم، وربت على رأسها.
وقال:
ـ “لو فضلتي فاكرة الجملة دي… هتنجحي في أي مكان.”
—
وفي نهاية اليوم…
استدعى مراد مجلس الإدارة.
قال لهم:
ـ “ابتداءً من الشهر الجاي، هنضيف برنامج جديد.”
سأله أحد الأعضاء:
ـ “إيه هو؟”
قال:
ـ “أي مدير جديد قبل ما يستلم منصبه… هيقضي أسبوع كامل يشتغل مع عمال النظافة، والمخازن، والسائقين.”
تعجب الجميع.
ـ “ليه يا فندم؟”
ابتسم وقال:
ـ “علشان يعرف إن الاحترام مش بينزل مع المنصب… الاحترام بيطلع من الأخلاق.”
وافق المجلس بالإجماع.
—
وفي المساء…
خرج مراد من الشركة.
وجد ليان مستنياه عند الباب.
كانت ماسكة العربية الصفراء القديمة.
رغم إنها بقت مكسورة من الجنب، إلا أنها ما زالت محتفظة بيها.
رفعتها أمامه وقالت:
ـ “فاكرها؟”





