عروس رشيدي ج١
قال أحدهم:
— وصلنا خبر إن حامد الدهشان خرج من بيته النهارده في سرية تامة.
سأل فارس:
— راح فين؟
أجاب الرجل:
— محدش يعرف… لكن عربيته شوفتها ناحية بيوت البلد القديمة.
تبادل الحاضرون النظرات.
قال جابر الرشيدي بسخرية:
— يمكن كان رايح يزور حد من أحبابه.
نظر إليه فارس نظرة حادة.
— في الوقت اللي البلد كلها واقفة على رجل… مفيش زيارة بريئة.
ثم التفت إلى رجاله.
— من النهارده… أي حركة تحصل تتبلغ لي فورًا.
—
في صباح اليوم التالي…
خرجت حنين متجهة إلى السوق.
كانت البلدة تعج بالحركة.
الباعة ينادون على بضاعتهم.
والنساء يتبادلن الحديث.
والأطفال يركضون في الأزقة.
وبينما كانت تشتري بعض الاحتياجات، سمعت فجأة صياح امرأة.
— الحقي… الحقي!
التفت الناس جميعًا.
وجدوا حصانًا هائجًا يركض بسرعة بعد أن أفلت من صاحبه.
اتجه الحصان مباشرة نحو طفل صغير يقف في منتصف الطريق، وقد تجمد من شدة الخوف.
صرخت النساء.
وحاول بعض الرجال اللحاق به، لكن المسافة كانت قصيرة جدًا.
من دون تفكير، اندفعت حنين نحو الطفل.
أمسكت به بقوة، وحاولت الابتعاد، لكن الوقت لم يسعفها.
وفي اللحظة الأخيرة…
انطلق فارس من فوق جواده بسرعة خاطفة.
قفز إلى الأرض، وأمسك بلجام الحصان الهائج بكل قوته.
ظل الحصان ينتفض بعنف، بينما تشبث فارس به حتى نجح في إيقافه قبل أن يصطدم بهما.
ساد الصمت.
ثم دوّى المكان بتكبير الرجال.
— الله أكبر!
احتضنت حنين الطفل وهي تلهث.
أما فارس، فاطمأن أولًا على الصغير، ثم التفت إليها.
لأول مرة…
التقت عيناهما.
ثوانٍ قليلة…
لم ينطق خلالها أيٌّ منهما بكلمة.
كانت ترى أمامها رجلًا يفيض هيبة وثباتًا.
وكان يرى فتاةً شاحبة الملامح، لكن الشجاعة التي دفعتها لإنقاذ الطفل كانت أكبر من خوفها.
قطع الصمت صوت أم الطفل، وهي تركض باكية لتحتضن ابنها.
ابتعدت حنين خطوة إلى الخلف، ثم قالت بصوت خافت:
— الحمد لله…
نظر إليها فارس باحترام وقال:
— الشجاعة مش إن الواحد ميخافش… الشجاعة إنه يعمل الصح وهو خايف.
رفعت عينيها إليه للحظة، ثم خفضتهما في حياء.
لم تعرف لماذا شعرت براحة غريبة في حضوره، رغم أنها لا تعرف اسمه.
وقبل أن تسأله، تقدم بعض رجال العائلة وهم يهتفون:
— فارس بيه… الحمد لله إنك لحقت الولد.
عرفت حنين عندها هوية الرجل الذي يقف أمامها.

