عروس رشيدي ج١

الفصل الأول

لفح هواء الصباح البارد وجوه الرجال الواقفين أمام السرايا الكبيرة، بينما كانت أشعة الشمس الأولى تتسلل فوق الحقول الممتدة، فتنعكس على بوابة حديدية شاهقة.

في الداخل، كان الهدوء يخيّم على المكان، لكنه هدوء يسبق عاصفة يعرفها الجميع.

عائلة الرشيدي… اسم يكفي وحده ليزرع الهيبة في قلوب أهل البلدة. عائلة توارثت الأرض والجاه والنفوذ، لكنها ورثت كذلك ثأرًا قديمًا لم تنطفئ ناره رغم مرور السنوات.

وقف رجال العائلة في ساحة السرايا بجلابيبهم الصعيدية، يتبادلون النظرات في انتظار وصول الرجل الذي سيعود اليوم ليتولى مسؤولية العائلة بعد سنوات من الغياب.

قطع صوت محرك سيارة الدفع الرباعي الصمت.

اقتربت السيارة ببطء حتى توقفت أمام البوابة، فنزل منها رجل طويل القامة، عريض المنكبين، يرتدي بنطال أسود ويعلوها قميص أبيض، وساعة فخمة في معصمه. كانت ملامحه حادة، ولحيته مهذبة، وعيناه تحملان نظرة ثابتة لا تعرف التردد.

ما إن رآه الرجال حتى اعتدلوا في وقفتهم.

— حمد الله على السلامة يا فارس بيه.

أومأ فارس برأسه في هدوء، ثم رد بصوت عميق:

— الله يسلمكم… عاملين إيه يا رجالة؟

تقدم كبير الخدم وأخذ حقيبته، بينما انحنى بعض العمال احترامًا. لم يكن فارس من الرجال الذين يطلبون الهيبة، لكنها كانت تسبقه أينما ذهب.

رفع بصره نحو السرايا العتيقة، فشعر بثقل السنوات فوق كتفيه.

عاد… لكن العودة هذه المرة لم تكن اختيارًا.

في الطابق العلوي، كان عمران الرشيدي، كبير العائلة، يجلس على مقعده الخشبي العريض قرب النافذة. غزا الشيب رأسه، لكن نظرة عينيه بقيت حادة كما عرفها الجميع.

دخل فارس، وانحنى يقبّل يد عمه باحترام.

ابتسم عمران ابتسامة خافتة.

— كنت عارف إنك هترجع يا فارس.

جلس فارس أمامه وقال بهدوء:

— رجعت لأن العيلة محتاجاني… وربنا يقدرني على حمل المسؤولية.

تنهد عمران طويلًا، ثم قال:

— البلد بقت غير اللي سيبتها… والناس بقت مستنية أي شرارة عشان الثأر يولع من تاني.

ساد الصمت للحظات.

ثم أضاف بصوت أثقلته السنين:

— وأنا كبرت… ومبقاش عندي قدرة أسيطر على الناس زي زمان.

نظر إليه فارس بثبات.

— طول ما أنا موجود، محدش هيقدر يهز اسم الرشيدي.

ابتسم عمران، لكنه لم يُخفِ القلق الساكن في عينيه.
….
على الجانب الآخر من البلدة…

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *