عروس رشيدي ج١
—
في سرايا الرشيدي…
كان فارس يقف أمام نافذة مكتبه، يتأمل الأراضي الممتدة أمامه.
دخل عليه عمران الرشيدي بهدوء، وجلس في المقعد المقابل.
قال عمران:
— من ساعة ما رجعت وأنت مشوفتش الراحة.
ابتسم فارس ابتسامة خفيفة.
— الراحة ملهاش مكان وسط المشاكل دي يا عمي.
تنهد عمران وقال:
— فاكر آخر مرة قامت فيها نار التار؟
هز فارس رأسه.
كيف ينساها؟
في تلك الليلة خسر الرشيديون اثنين من رجالهم، وخسر الطرف الآخر ثلاثة، ومنذ ذلك اليوم تحولت البلدة إلى ساحة خوف، حتى نجح كبار العائلتين في فرض هدنة هشة.
لكن الهدنة كانت أشبه بجمرٍ يختبئ تحت الرماد.
قال عمران:
— اللي بيحصل دلوقتي مش طبيعي… في حد عايز يكسر الهدنة.
رد فارس بثقة:
— وأنا هعرف مين قبل ما الدم ينزل من جديد.
—
في منزل رياض…
عادت حنين قبل الظهيرة.
وجدت والدها يجلس في الفناء يصلح إحدى الأدوات الزراعية.
جلست بجواره وقالت بهدوء:
— يا بوي… في رجالة سألوا عليك النهارده.
رفع رياض رأسه.
— مين؟
وصفت لهم السيارة والرجال.
تغير لون وجهه للحظة، لكنه سرعان ما أخفى انفعاله.
سألته حنين:
— تعرفهم؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
— يمكن غلطوا في العنوان.
لكن حنين كانت تعرف والدها جيدًا.
وللمرة الأولى منذ سنوات، رأت الخوف يمر في عينيه.
—
بعد صلاة المغرب…
وصلت السيارة السوداء إلى منزل رياض مرة أخرى.
ترجل منها رجل تجاوز الخمسين من عمره، يرتدي جلبابًا فاخرًا وعباءة سوداء، وعلى وجهه شارب كثيف ونظرة متعالية.
وقف أمام الباب ونادى بصوت جهوري:
— يا رياض!
خرج رياض مسرعًا.
ما إن رأى الرجل حتى ارتبك.
قال بصوت منخفض:
— اتفضل يا حامد بيه.
كان الرجل هو **حامد الدهشان**، أحد كبار عائلة الدهشان، وذو نفوذ واسع داخل عائلته.
نظر حوله، ثم قال:
— الكلام اللي بينا مش لازم حد يسمعه.
ابتعد الرجلان عدة خطوات.
أما حنين، فقد وقفت خلف النافذة تراقب بصمت.
لم تسمع كل الكلمات، لكن بعض العبارات وصلت إليها بوضوح.
— …السر لازم يفضل مدفون.
— أنا وعدتك من سنين.
— ولو بنتك عرفت الحقيقة… كل حاجة هتضيع.
اتسعت عينا حنين.
أي حقيقة؟
وما علاقتها هي بالأمر؟
عاد الرجل إلى سيارته ورحل.
أما رياض، فظل واقفًا في مكانه، وكأن حملًا ثقيلًا سقط فوق كتفيه.
—
في الليلة نفسها…
كان فارس يعقد اجتماعًا مع رجال العائلة.




