عروس رشيدي ج١
— فارس بدأ يتحرك بنفسه… وده هيصعب علينا كل حاجة.
ابتسم الرجل الغامض.
— سيبه… كل ما يقرب من الحقيقة، هيقرب من الفخ.
ناول جابر ظرفًا مليئًا بالمال.
— دي دفعة جديدة… والمطلوب منك تفضل قريب منه… وتنقل كل خطوة بيعملها.
أخذ جابر الظرف، ثم قال:
— ولو عرف؟
أجاب الرجل ببرود:
— قبل ما يعرف… هيكون خسر كل حاجة.
انطلقت السيارة في ظلام الليل.
أما جابر، فظل واقفًا مكانه، ينظر إلى الظرف بين يديه، وقد بدأ طريق الخيانة الذي قد يحرق العائلة كلها.
وفي الجهة الأخرى من البلدة…
كانت حنين تقف في شرفة منزلها، تنظر إلى السماء.
تشعر أن شيئًا مجهولًا يقترب منها.
وفي الوقت نفسه، كان فارس يقف في شرفة السرايا، يحمل الإحساس ذاته.
لكن كلاً منهما كان يجهل أن القدر بدأ ينسج خيوطه، وأن السر المدفون منذ خمسة وعشرين عامًا أصبح على وشك أن يغيّر حياة الجميع.
# الفصل الخامس
حلَّ الصباح على البلدة هادئًا، لكن ذلك الهدوء كان خادعًا.
في سرايا الرشيدي، اعتاد الرجال التجمع بعد صلاة الفجر في الساحة الواسعة، يتبادلون الحديث عن أحوال الأرض والزراعة، غير أن حديث هذا اليوم لم يخرج عن أمرين: مقتل رجل الدهشان داخل المستشفى، والقلق من اشتعال الثأر من جديد.
وقف فارس في منتصف الساحة، يستمع إلى رجاله دون أن يقاطع أحدًا.
قال أحد كبار المزارعين:
— يا فارس بيه… الناس خايفة، وفي عمال رفضوا ينزلوا الغيط النهارده.
سأله فارس بهدوء:
— ليه؟
— بيقولوا لو قامت حرب بين العيلتين، أول اللي هيدفع التمن هما الغلابة.
ظل فارس صامتًا للحظات، ثم قال:
— قول للناس تنزل شغلها، وأي حد يمس راجل أعزل أو عامل بسيط… يبقى خصمي قبل ما يكون خصم الرشيدية.
هز الرجال رؤوسهم باحترام.
كانت تلك أول مرة منذ سنوات يسمعون فيها كبير العائلة يتحدث عن حماية الناس قبل الحديث عن الثأر.
—
في منزل رياض…
كانت حنين تجهز بعض الطعام لوالدها قبل أن يخرج إلى عمله.
لاحظت أنه شارد الذهن، يكثر من النظر إلى باب المنزل كأنه ينتظر أحدًا.
قالت برفق:
— يا بوي… أنت تعبان؟
ابتسم محاولًا طمأنتها.
— لا يا بتي… شوية هموم وهتعدي.
اقتربت منه.
— من يوم ما جه حامد الدهشان، وأنت مش على بعضك.
ارتبك رياض، ثم قال بسرعة:
— متشغليش بالك بالكلام ده.
لم تُجبه.
كانت تعلم أن والدها يخفي عنها شيئًا، لكنها احترمت صمته.


