قلب لا يعرف الكراهية قبل الاخير
الفصل السابع عشر
مر أسبوع كامل…
دون أن تصل إلى نغم أي رسالة مجهولة.
ودون أن تقع أي حادثة جديدة.
لكن هذا الهدوء لم يكن مطمئنًا.
كان مراد يعرف جيدًا أن أخطر ما في خصومه…
أنهم يجيدون الصبر.
…
في صباح الأحد…
وصلت نغم إلى الشركة تحمل حقيبة صغيرة مليئة بالملفات.
ما إن دخلت قسم الاتصال المؤسسي حتى فوجئت بـ ليلى تقترب منها بابتسامة.
— الباشمهندس مراد طلب إنك تنقلي مكتبك.
عقدت نغم حاجبيها.
— أنقله فين؟
— في الدور السابع والعشرين… جنب مكتب الإدارة.
تفاجأت.
— ليه؟
ابتسمت ليلى.
— قال إن الملفات اللي بتشتغلي عليها بقت حساسة، ولازم تكوني قريبة منه.
لم تعلق نغم.
لكنها شعرت بأن القرار لم يكن إداريًا فقط…
بل كان وسيلة لحمايتها.
….
بعد ساعة…
انتهى العمال من نقل أغراضها.
كان مكتبها الجديد بسيطًا وأنيقًا، تطل نافذته على المدينة.
والمفاجأة…
أن مكتب مراد لم يكن يبعد سوى عدة أمتار.
بينهما ممر قصير وبابان فقط.
…
في منتصف النهار…
دخلت نغم إلى مكتب مراد تحمل تقريرًا.
طرقت الباب.
— اتفضل.
دخلت.
كان منهمكًا في مراجعة عقد استثماري.
رفع رأسه.
— خلصتي التقرير؟
ناولته الملف.
بدأ يقرأ.
ساد الصمت.
كانت تراقب تعابير وجهه في محاولة لمعرفة رأيه.
بعد دقائق…
أغلق الملف.
وقال باقتضاب:
— ممتاز.
ابتسمت دون أن تشعر.
ثم قالت مازحة لأول مرة:
— كلمة “ممتاز” دي تعتبر مكافأة كبيرة من حضرتك.
نظر إليها لثوانٍ…
ثم ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة.
— واضح إنك بدأتي تفهميني.
ساد الصمت.
لكنه هذه المرة…
لم يكن صمتًا ثقيلًا.
….
في المساء…
كانت نغم تعمل وحدها.
لاحظت أن معظم الموظفين غادروا.
رن هاتف مكتبها الداخلي.
— الأستاذة نغم…
كان صوت مراد.
— أيوه يا فندم.
— خلصتي؟
نظرت إلى الساعة.
كانت التاسعة والنصف مساءً.
— فاضل شوية.
قال بهدوء:
— سيبي الباقي لبكرة.
— بس…
قاطعها لأول مرة.
— ده أمر.
ابتسمت.
— حاضر.
….
خرجت من مكتبها.
وجدته يغلق مكتبه هو الآخر.
سارا في الممر نفسه.
قالت بعد تردد:
— حضرتك دايمًا آخر واحد يمشي؟
أجاب وهو ينظر أمامه:
— الشركة مسؤولية.
ابتسمت.
— وأنا كنت فاكرة إن الصحافة هي أصعب شغلانة.
التفت إليها.
— وكل واحدة فيهم ليها تمن.
توقفت الكلمات بينهما.
كان كل منهما يحمل جراحًا لا يعرفها الآخر كاملة.
….
وصلا إلى المصعد.
ضغط مراد الزر.
انفتح الباب.
نزلا معًا.
لأول مرة.
دون أي حديث عن العمل.
سألها فجأة:
— بتحبي القهوة؟
نظرت إليه باستغراب.
— جدًا.
— سادة؟
ضحكت بخفة.
— لا… من غير سكر.
هز رأسه وكأنه حفظ المعلومة.
ثم عاد الصمت.
لكن هذه المرة…
كان صمتًا مريحًا.
….
في صباح اليوم التالي…
دخلت نغم مكتبها.
توقفت مكانها.
على طرف المكتب…
كان هناك كوب قهوة ساخن.
وبجواره ورقة صغيرة.
“قبل ما تبرد.”
لم يكن عليها اسم.
لكنها أدركت فورًا صاحبها.
نظرت نحو مكتب مراد.
كان الباب مغلقًا.
ابتسمت دون أن تشعر.
ثم حملت الكوب.
وأخذت أول رشفة.
تمامًا كما تحب…
من دون سكر.
….
في الوقت نفسه…
كان مراد يقف داخل مكتبه، يراجع بعض التقارير.
دخل اللواء محمود.
لاحظ كوب القهوة الثاني على المكتب.
ابتسم بخبث.
— شكلك غيرت نوع القهوة.
رفع مراد رأسه.
— نعم؟
أشار اللواء إلى الكوب.
— حضرتك بقالك سنين بتشربها بسكر.
نظر مراد إلى الكوب للحظة.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
— الظاهر…
العادة بتتغير.
لم يعلق اللواء.
لكنه خرج وهو يخفي ابتسامة واسعة.
….
في المساء…
كانت نغم تراجع تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بموقف السيارات، بعد إذن رسمي من مراد.
كانت تبحث عن الدراجة النارية التي راقبتها قبل أيام.
أوقفت التسجيل فجأة.
أعادت اللقطة ببطء.
هناك سيارة سوداء…
كانت تقف في المكان نفسه.
كل يوم.
وفي التوقيت نفسه.
كبرت الصورة.
لم يظهر رقم اللوحة بوضوح.
لكنها رأت شيئًا آخر.
الرجل الذي نزل منها…
صافح طارق المنشاوي.
تسارعت أنفاسها.
أعادت المقطع مرة أخرى.
نفس المشهد.
لم يكن هناك شك.
طارق يعرف ذلك الرجل.
وفي اللحظة التي همّت فيها بحفظ نسخة من التسجيل…
انطفأت الشاشة فجأة.
ساد الظلام.
ثم اشتغلت الإضاءة الاحتياطية.
سمعت صوت الباب الإلكتروني يُغلق تلقائيًا.
أصبحت داخل غرفة المراقبة…
وحدها.
وخارج الباب…
توقفت خطوات شخص مجهول.
ثم جاءها صوته منخفضًا:
— المرة دي…
مش هتلاقي حد ينقذك.
تجمدت نغم في مكانها.
وأمسكت هاتفها بيد مرتجفة.
لكن قبل أن تتمكن من الاتصال بأي شخص…
انقطع التيار عن الهاتف أيضًا.
وفي الطابق السابع والعشرين…
كان مراد يوقع أحد العقود.
فجأة…
رن هاتف الأمن الداخلي.
جاءه صوت متوتر:
— يا باشمهندس…
في انقطاع كهرباء محدود في جناح المراقبة…
والأستاذة نغم كانت آخر واحدة دخلت هناك.
وقف مراد بعنف حتى سقط الكرسي خلفه.
ولأول مرة منذ سنوات…
ظهر الخوف واضحًا على وجهه.
ثم اندفع خارج مكتبه وهو يقول:
— افتحوا كل الأبواب… حالًا!


