خيوط القمر ج٢

نظرت إلى القطعة مرة أخرى.

ثم قالت:

— دلوقتي بقت أغلى عندي.

ابتسم وهو يراها تتأملها كطفلة وجدت لعبتها المفضلة.

—

بعد الظهيرة…

جلس الفريق في المقهى الملحق بالمعرض.

كانت الطاولات مزدحمة.

ولم يتبقَّ سوى مقعدين متجاورين.

جلست رنا أولًا.

ثم جلس فاروق بجوارها.

قال النادل:

— ماذا تفضلون؟

قال فاروق:

— قهوة سوداء.

ثم نظر إلى رنا.

— وإنتِ؟

قالت بثقة:

— أي حاجة… إلا القهوة السادة.

رفع حاجبه.

— ليه؟

تكشرت ملامحها.

— مرة شربتها… حسيت إن الحياة كلها زعلت مني.

ضحك لأول مرة بصوت واضح.

حتى النادل ابتسم.

قال فاروق:

— يبقى كابتشينو.

هزت رأسها بحماس.

— أيوه… دي صديقة العمر.

—

بعد دقائق…

وصلت المشروبات.

لكن النادل أخطأ.

ووضع القهوة السوداء أمام رنا.

والكابتشينو أمام فاروق.

أمسكت رنا الفنجان دون أن تنتبه.

وأخذت رشفة كبيرة.

وفي الثانية التالية…

تغيرت ملامحها تمامًا.

أغلقت عينيها بسرعة.

وقالت بصوت منخفض:

— دي… دي مش كابتشينو!

نظر فاروق إلى الفنجان.

ثم انفجر ضاحكًا.

ضحكة صادقة هذه المرة.

حاول أن يتوقف…

لكنه لم يستطع.

نظرت إليه وهي تعقد ذراعيها.

— حضرتك بتضحك؟

قال بين ضحكاته:

— آسف… بس شكلك كان…

قاطعتْه وهي تبتسم رغمًا عنها:

— متكملش.

بدّل النادل الفنجان وهو يعتذر.

وما إن تذوقت الكابتشينو…

حتى تنهدت براحة.

— الحمد لله… رجعت أحب الحياة.

ضحك فاروق مرة أخرى.

—

كان على الطاولة المقابلة…

تجلس ليان مع مسؤولة إحدى الشركات.

ورغم أنها كانت منشغلة في الحديث…

إلا أن عينيها ذهبتا دون إرادة نحو فاروق.

ورأته يضحك…

مرة…

ثم ثانية…

ثم ينظر إلى رنا بتلك النظرة الهادئة التي لم تعتد أن تراها في عينيه.

في تلك اللحظة…

أدركت حقيقة كانت تؤجل الاعتراف بها.

فاروق لم يعد يبتسم بسبب المواقف فقط…

بل بسبب الشخص الذي يشاركه تلك المواقف.

—

وفي طريق العودة إلى الشركة…

جلست رنا تنظر من نافذة السيارة.

ثم قالت فجأة:

— حضرتك.

— نعم؟

ابتسمت وهي تنظر للطريق.

— شكرًا.

نظر إليها باستغراب.

— على إيه؟

— على إنك خليت أول معرض أحضره… ذكرى حلوة.

ساد الصمت للحظات.

ثم قال بصوته الهادئ:

— وأنا سعيد إنك كنتِ مع الفريق.

لم تكن الجملة تحمل اعترافًا…

لكنها بقيت ترن في قلب رنا طوال الطريق.

أما فاروق…

فكان يبتسم وهو يقود.

دون أن ينتبه…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *